ابويا ضرب بنتى بالحزام

لمحة نيوز

وقدر.
طلعت...
ضرب.
وعنف.
وتغطية.
...
منى مسحت دموعها.
وقالت
إنتي أول واحدة وقفت.
وأنا...
هشهد معاكي.
الكلام ده...
غير كل حاجة.
لأن القضية...
ماكنتش بقت حادثة واحدة.
بقت تاريخ طويل...
من الخوف والصمت.
وفي اليوم اللي بعده...
ظهر شاهد جديد...
ماحدش كان متوقع إنه يتكلم.
وشهادته...
كانت هتكشف سرًا قديمًا...
فضل مستخبي أكتر من ثلاثين سنة.
تاني يوم الصبح...
كنت قاعدة جنب سرير ليان في المستشفى.
الدكتور قال إنها هتخرج خلال ساعات...
لكن لازم تفضل تحت الملاحظة كام يوم.
كانت نايمة بهدوء...
ولأول مرة من يوم الحادث...
ملامحها رجعت شبه الطبيعي.
فضلت أبص لها.
وأقول بيني وبين نفسي
الحمد لله.
لكن كنت عارفة...
إن الجرح اللي في راسها هيخف.
أما الخوف اللي دخل قلبها...
هيحتاج وقت أطول بكتير.
...
وأنا سرحانة...
الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
لقيت راجل كبير في السن بيقول
حضرتك الأستاذة ريم؟
قلت
أيوه.
قال
أنا اسمي عم حسين... كنت شغال سواق عند والد حضرتك أكتر من خمسة وعشرين سنة.
الاسم رجعلي ذكريات بعيدة.
عم حسين...
الراجل اللي كان بيوصلنا المدرسة وإحنا صغيرين.
اختفى فجأة من سنين.
افتكرنا إنه سافر.
قلت
أهلاً يا عم حسين.
قال بصوت متردد
أنا شوفت الخبر...
ومحتاج أقابلك.
في حاجة لازم تعرفيها.
...
اتقابلنا بعد الضهر.
كان شكله كبر جدًا.
وشعره كله بقى أبيض.
أول ما قعد...
قال
أنا ساكت بقالى سنين...
بس ضميري مبقاش مستحمل.
سألته
على إيه؟
أخذ نفسًا طويلًا.
وقال
أبوكي عمره ما كان بيضربكم بس.
سكت شوية.
وبعدين كمل
كان بيضرب أمك كمان.
الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.
قلت بسرعة
مستحيل... أمي عمرها ما قالت.
هز رأسه.
وقال
ما كانتش هتقول.
كل مرة كانت تنزل بالنضارة الكبيرة...
وتقول للناس إنها وقعت.
وأنا كنت اللي أوصلها المستشفى.
...
افتكرت.
فعلًا...
أمي كانت كتير تلبس نضارة حتى بالليل.
وإحنا نسألها.
تقول
صداع.
ولا مرة شكينا.
لأننا كنا أطفال.
...
عم حسين فتح شنطة صغيرة.
طلع منها ظرف قديم.
وقال
ده كان معايا من سنين.
فتحت الظرف.
لقيت صور.
صور قديمة جدًا.
في واحدة منهم...
أمي قاعدة على سرير مستشفى.
وعينها متورمة.
وفي تقرير طبي.
مكتوب فيه
اشتباه اعتداء بدني.
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
قال
أبوكي أجبرها تقول إنها وقعت.
...
حسيت إن الصورة اللي كنت راسماها للعيلة...
بتنهار قطعة قطعة.
أنا كنت فاكرة إن العنف بدأ معانا.
طلع...
كان موجود قبل ما نتولد.
...
قلت له
ليه سكت كل السنين دي؟
نزل راسه.
وقال
كنت بخاف.
وكان ليه نفوذ.
وأنا عندي عيال.
ماقدرتش ألومه.
الخوف...
بيخلي ناس كتير تسكت.
...
قبل ما نمشي...
قال لي
وفي واحد كمان هيكلمك.
مين؟
قال
الدكتور سامي.
استغربت.
دكتور سامي مين؟
قال
الطبيب اللي كان بيعالج والدتك زمان.
...
في نفس اليوم...
اتصل بيا وكيل النيابة.
وقال
فيه شهود جداد بدأوا يتقدموا بأقوالهم.
قلت
مين؟
قال
جيران قدام...
وأحد أقاربكم.
بدأت أحس إن القضية...
كبرت.
وبقت أكبر من حادثة ليان.
...
رجعت المستشفى.
لقيت أحمد قاعد جنب ليان.
كان بيضحكها برسومات على ورقة.
أول ما شافني...
عرف من وشي إن في حاجة.
خرجنا بره الأوضة.
وحكيتله كل اللي سمعته.
فضل ساكت.
وبعدين قال
كنت دايمًا مستغرب...
إزاي والدتك شخصيتها ضعيفة بالشكل ده.
دلوقتي فهمت.
...
بالليل...
أمي اتصلت.
المرة دي رديت.
أول ما سمعت صوتي...
فضلت تعيط.
قالت
يا بنتي... كفاية.
قلت بهدوء
هو ضربك زمان؟
سكتت.
ولا كلمة.
قلت تاني
جاوبيني.
فضلت ساكتة.
لكن صوت بكاها...
كان إجابة كفاية.
...
قلت
ليه خبّيتي علينا؟
قالت بصوت مكسور
كنت فاكرة إني بحافظ عليكم.
قلت
لأ يا أمي.
إحنا اتربينا نفتكر إن الضرب طبيعي.
وسكتنا إحنا كمان.
...
قالت
أبوكي اتغير.
رديت
لو اتغير...
ماكانش رفع الحزام على بنت عندها تلات سنين.
...
بعد المكالمة...
فضلت أبكي.
مش على نفسي.
ولا على أبويا.
على أمي.
لأنها عاشت عمرها كله...
بتقنع نفسها إن السكوت نجاة.
...
بعد يومين...
ليان خرجت من المستشفى.
أول ما دخلت البيت...
جريت على أوضتها.
حضنت لعبتها.
وبعدين بصتلي.
وقالت
مامي...
إحنا مش هنروح بيت جدو تاني صح؟
ركعت قدامها.
وقلت
لأ يا حبيبتي.
ابتسمت.
وراحت تكمل لعب.
لكن الابتسامة دي...
كان وراها خوف واضح.
كل ما تسمع صوت عالي...
تنتفض.
ولو حد قرب منها بسرعة...
تمسك في هدومي.
ودي كانت أصعب إصابة.
لأنها مش باينة.
...
بعد أسبوع...
اتحدد أول ميعاد للجلسة.
المحكمة كانت زحمة.
صحفيين.
ومحامين.
وناس جاية تتفرج.
أبويا دخل القاعة.
ولأول مرة في حياته...
كان واقف في مكان المتهم.
بصلي.
وأنا بصيتله.
من غير كراهية.
ولا شفقة.
بس حقيقة واحدة.
إن الإنسان...
مهما كان أب.
أو جد.
أو كبير عيلة.
لما يؤذي طفل...
لازم يتحاسب.
لكن قبل ما تبدأ الجلسة بدقائق...
دخل رجل مسن إلى المحكمة.
وما إن رآه أبويا...
حتى تغير لون وجهه تمامًا.
أما الرجل...
فقال بصوت سمعته القاعة كلها
أنا جاي أشهد...
وأقول الحقيقة اللي خبيتها تلاتين سنة.
وفي اللحظة دي...
كل الموجودين أدركوا...
أن القضية لسه في بدايتها.
أول ما الراجل دخل القاعة...
الهمس بدأ ينتشر بين الناس.
كل واحد بيسأل اللي جنبه
مين ده؟
أما أنا...
فكنت ببص له وبحاول أفتكره.
كان في أواخر السبعينات.
وشعره أبيض بالكامل.
وبيمشي بعصاية.
لكن نظراته...
كانت ثابتة.
وقف قدام منصة الشهود.
وقال للقاضي
اسمي عبد الرحيم.
الاسم هزني.
افتكرت.
كان جارنا القديم.
الراجل اللي اختفى فجأة وإحنا أطفال.
...
القاضي طلب منه يحلف اليمين.
وبعدها قال
اتفضل... قول اللي عندك.
عبد الرحيم أخد نفسًا طويلًا.
وقال
أنا ساكت من أكتر من تلاتين سنة.
بس لما شوفت اللي حصل للبنت الصغيرة...
افتكرت كل حاجة.
سكت لحظة.
وبعدين بص ناحية أبويا.
وقال
أول مرة شفته يضرب طفل...
ما كانتش حفيدته.
القاعة كلها سكتت.
حتى أبويا...
بدأت ملامحه تتغير.
...
عبد الرحيم كمل
كنت ساكن قصادهم.
وفي يوم سمعت صريخ بنت صغيرة.
جريت أبص من البلكونة.
ولقيت محمود بيضرب ريم بالحزام.
حسيت إن قلبي وقف.
كنت عندي وقتها حوالي ثمان سنين.
لكن الذكرى كانت ضبابية.
يمكن لأن عقلي وقتها حاول ينساها.
...
قال
أمها حاولت تمنعه.
راح زقها وقعت على الأرض.
والبنت فضلت تعيط.
ولما الشرطة سألت بعد شكوى من الجيران...
كلهم خافوا يتكلموا.
وأنا كمان سكت.
نزل راسه.
وقال
وده أكبر ذنب عملته في حياتي.
...
القاضي سأله
وليه قررت تتكلم دلوقتي؟
رد
علشان الطفلة الصغيرة.
لو سكتنا تاني...
هنبقى شركا في اللي حصل.
...
أبويا طلب يتكلم.
وقف وقال بانفعال
ده راجل كبير وخرف.
القاضي طلب منه يقعد.
لكن صوته كان بيعلى.
ولأول مرة...
الكل شاف نفس العصبية اللي كنا عايشين معاها سنين.
...
بعد انتهاء الجلسة...
القاضي قرر استمرار حبسه لحين استكمال التحقيقات.
أمي كانت قاعدة آخر القاعة.
بتعيط بصمت.
ولما الناس خرجت...
قربت مني.
وقالت
ريم...
وقفت.
لكن ما اتكلمتش.
قالت وهي بتبكي
أنا تعبت.
لأول مرة...
شفت أمي ضعيفة بالشكل ده.
مش ضعيفة من الخوف.
لكن من السنين.
سنين وهي شايلة حمل أكبر منها.
...
قالت
أنا عايزة أقول الحقيقة.
بصيت لها.
وسكت.
قالت
كل اللي قالوه صح.
وأكتر كمان.
...
قعدنا في غرفة جانبية بالمحكمة.
وأمي بدأت تحكي.
حكت عن أول سنة جواز.
وإزاي أول مرة اتمدت عليها الإيد...
كانت بسبب إن الأكل اتأخر عشر دقايق.
وحكت عن كل مرة كانت تخبي آثار الضرب بالمكياج أو بالنضارة.
وحكت عن الليلة اللي اتكسر فيها دراع منى.
والليلة اللي خالد اتصاب فيها في راسه.
وقالت وهي منهارة
أنا كنت كل مرة أقول دي آخر مرة.
لكن كل مرة كنت بخاف أسيبه.
...
سألتها
وليه لما ضرب ليان...
قلتي تستاهل؟
انهارت في البكاء.
وقالت
لأني بقيت فاكرة إن ده الطبيعي.
كنت مريضة بالخوف يا ريم.
الكلمة دي وجعتني.
لأنها كانت صادقة.
سنين العنف...
غيرت طريقة تفكيرها.
...
بعد أيام...
أمي قدمت أقوالها رسميًا.
وكانت أول مرة في حياتها...
تتكلم من غير خوف.
أما خالد...
فكان لسه مصمم يدافع عن أبويا.
واتصل بيا.
وقال بعصبية
إنتي خربتي البيت.
قلت بهدوء
البيت اتخرب من زمان.
إحنا بس أخيرًا فتحنا الشبابيك.
قفل السكة في وشي.
...
أما ليان...
فبدأت جلسات مع أخصائية نفسية للأطفال.
في أول جلسة...
رسمت بيت.
وأنا وهي وأحمد.
ولما الدكتورة سألتها
فين الجد؟
شخطت بالقلم الأحمر على الورقة.
وقالت
هو بيخوف الأطفال.
لما الدكتورة حكتلي...
ماقدرتش أمسك دموعي.
طفلة عندها تلات سنين...
شايفة العالم بالطريقة دي.
...
مر شهر.
وبدأت القضية تدخل مراحلها الأخيرة.
الأدلة كانت قوية.
الفيديو.
التقرير الطبي.
شهادة الضيوف.
شهادة أمي.
وشهادات قديمة دعمت وجود نمط مستمر من العنف داخل الأسرة.
أما أبويا...
فكان لحد آخر لحظة...
رافض يعترف إنه غلط.
وكان بيكرر نفس الجملة
أنا كنت بربي.
لكن المرة دي...
محدش صدقه.
وفي يوم النطق بالحكم...
كانت المحكمة مليانة عن آخرها.
وكل واحد مستني يعرف...
إزاي هتنتهي الحكاية دي.
لكن قبل ما القاضي يدخل القاعة...
وصل خبر غير متوقع...
خبر هيغير مصير العيلة كلها...
قبل ما القاضي يدخل القاعة بدقايق...
واحد من أفراد الأمن دخل بسرعة وهمس في ودن وكيل النيابة.
ملامحه اتغيرت.
وبعدها طلب تأجيل الجلسة لمدة ساعة.
الناس كلها بدأت تتساءل
إيه اللي حصل؟
حتى المحامين ماكانوش فاهمين.
وأنا وأحمد بصينا لبعض في استغراب.
بعد حوالي عشر دقايق...
عرفنا السبب.
أخويا خالد...
اتعرض لأزمة قلبية وهو جاي المحكمة.
الإسعاف نقلته أقرب مستشفى.
الخبر وقع علينا كلنا.
مهما حصل...
كان أخويا.
دعيت له يقوم بالسلامة.
لكن في نفس الوقت...
القضية لازم تكمل.
بعد ساعتين...
الدكتور طلع يطمن الأسرة.
قال إن خالد تعرض لإجهاد شديد وارتفاع حاد في ضغط الدم، لكنه استقرت حالته وهيحتاج يفضل تحت الملاحظة.
أمي راحت تطمن عليه.
وأنا فضلت في
المحكمة.
لأن النهارده...
كان لازم الحقيقة توصل لنهايتها.
رجعنا القاعة.
القاضي دخل.
الكل وقف.
والهدوء سيطر على المكان.
القاضي بدأ يتكلم بهدوء
المحكمة اطلعت على جميع الأدلة...
وابتدى يراجع التقرير الطبي.
والفيديو.
وشهادات الشهود.
وأقوال الأم.
وأقوال المتهم.
كل كلمة كانت بتأكد إن اللي حصل...
ماكانش مجرد لحظة غضب.
كان اعتداء أدى لإصابة طفلة.
أبويا كان واقف.
لأول مرة...
مش رافع راسه.
لكن برضه...
ماقالش أنا غلطان.
القاضي أنهى حيثيات الحكم.
وقال
المحكمة تؤكد أن حماية الأطفال مسؤولية قانونية وأخلاقية، وأن أي اعتداء بدني عليهم لا يمكن تبريره تحت مسمى التربية.
الكلمات دي...
خلت ناس كتير في القاعة تنزل دموعها.
وبعدين...
نطق بالحكم.
صدر الحكم بإدانة أبويا وفقًا لما ثبت بالأدلة، مع توقيع العقوبة التي رآها القانون مناسبة، مع إلزامه بعدم التعرض للمجني عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحمايتها.
أغمضت عيني.
ماكنتش فرحانة.
ولا شامتة.
كنت حاسة بثقل كبير.
لأن اللي اتحاسب...
كان أبويا.
لكن اللي اتحمى...
كانت بنتي.
بعد انتهاء الجلسة...
خرجت من المحكمة.
الصحفيين حاولوا يسألوني.
لكن اكتفيت بجملة واحدة
مفيش عيلة تستحق إن طفل فيها يدفع تمن سكوت الكبار.
ومشيت.
بعد أسبوع...
روحت أزور خالد.
كان هادي لأول مرة من سنين.
بصلي وقال
أنا كنت فاكر إن أبويا صح.
سكت شوية.
وقال
لحد ما شفت بنتي وهي خايفة مني لمجرد إني عليت صوتي.
نزل دموعه.
وأضاف
افتكرت ليان.
وافتكرت نفسي وأنا صغير.
مد إيده.
وقال
سامحيني..
لأن الاعتراف بالغلط...
كان بداية جديدة.
أما أمي...
فخدت قرار كانت مأجلاه أربعين سنة.
استأجرت شقة صغيرة.
وقالت
أنا عايزة أعيش اللي باقي من عمري في هدوء.
ساعدناها في نقل حاجتها.
ولأول مرة...
شفتها بتضحك من قلبها.
ضحكة بسيطة...
لكن حقيقية.
ليان بدأت تتحسن.
بقت تضحك تاني.
وترسم.
وتلعب.
وفي آخر جلسة مع الأخصائية النفسية...
رسمت نفس البيت.
أنا.
وأحمد.
وهي.
وتحت الرسمة كتبت الدكتورة الجملة اللي قالتها ليان
بيتنا حلو... علشان محدش بيضرب حد.
لما قريتها...
بكيت.
بس المرة دي...
كانت دموع راحة.
في يوم عيد ميلاد ليان الرابع...
عملنا حفلة صغيرة في البيت.
مفيش صخب.
ولا تكلف.
بس ناس بتحبها.
وأول ما طفّت الشمعة...
بصتلي وقالت
مامي...
أنا مبقتش بخاف..
وقلت في سري
الحمد لله.
النهاية
بعد سنة كاملة...
فهمت إن أصعب قرار أخدته في حياتي...
ماكنش إني أشهد ضد أبويا.
أصعب قرار...
كان إني أكسر دائرة الخوف اللي استمرت أجيال.
اتعلمت إن الحفاظ على العيلة...
مش معناه نخبي الغلط.
الحفاظ الحقيقي...
إننا نوقفه.
وإن الطفل اللي في بيتنا...
يحس بالأمان قبل أي حاجة.
لأن الضرب...
عمره ما كان تربية.
والخوف...
عمره ما خرج إنسان سوي.
أما الحب...
والرحمة...
فهم اللي بيبنوا بيوت تفضل واقفة... حتى بعد ما تعدي أصعب العواصف.

تم نسخ الرابط