الملياردير إدّى كارت البنك بتاعه لأم مشردة لمدة ٢٤ ساعة…
المحتويات
من محفظتها.
وقالت
ده جوزي.
كريم أخد الصورة.
ثم تجمد مكانه.
الهواء اختفى من حوالينه.
الصورة كانت لرجل واقف جنب شخص تاني.
شخص يعرفه كويس.
شخص مستحيل ينساه.
أبوه.
منير الأشقر.
سقطت الصورة من إيده.
وسارة اتفاجئت.
إنت كويس؟
لكن كريم كان شاحبًا.
لأن الصورة اتصورت من أكتر من عشر سنين.
وأبوه كان واقف جنب زوجها كأنهم أصحاب عمر.
في حين إن كريم عمره ما سمع الاسم ده قبل كده.
ولا مرة.
ولا حتى صدفة.
رفع الصورة تاني.
وهو بيبص للرجل.
ثم قال بصوت منخفض
إزاي كان يعرف أبويا؟
سارة اتفاجئت.
أبوك مين؟
رد ببطء
منير الأشقر.
وفجأة...
اختفى اللون من وش سارة هي كمان.
وكان واضح جدًا إنها عرفت الاسم فورًا.
وعرفت حاجة أخفاها الزمن سنين طويلة.
لكنها ما كانتش مستعدة تقولها.
سارة فضلت باصة لكريم كام ثانية من غير ما تتكلم.
وكأن اسم منير الأشقر رجّعها سنين لورا.
سنين كانت بتحاول تنساها.
أما كريم فكان قلبه بيدق بعنف.
أخد الصورة تاني وقربها من عينه.
مافيش شك.
أبوه بنفس الابتسامة.
ونفس البدلة.
ونفس الساعة اللي كان بيلبسها زمان.
قال بصوت متوتر
قوليلي... جوزك كان يعرف أبويا منين؟
سارة بلعت ريقها.
وبصت بعيد.
افتكرت إن الموضوع مات وانتهى.
موضوع إيه؟
سكتت.
ثم قالت
جوزي اسمه أحمد.
هز كريم رأسه.
عارف.
أحمد كان شغال مع أبوك.
كريم اتفاجئ.
مستحيل.
ليه مستحيل؟
لأن أبويا كان بيحكيلي كل حاجة عن الشركة.
ضحكت سارة بمرارة.
واضح إنه ماحكاش كل حاجة.
الكلمات نزلت على كريم تقيلة.
لأن أول مرة حد يلمّح إن أبوه أخفى عنه أسرار.
وأبوه بالنسبة له طول عمره كان رمز السيطرة والمعرفة.
قال
احكي.
أخذت نفسًا طويلًا.
أحمد كان صيدلي.
وبعدين؟
وكان من أوائل الناس اللي ساعدوا في تأسيس الشركة.
اتسعت عينا كريم.
إيه؟
أيوه.
هز رأسه بعدم تصديق.
مستحيل.
دي الحقيقة.
طلعت ظرفًا قديمًا من الشنطة.
كان مهترئ من الزمن.
فتحت الظرف.
وأخرجت مجموعة أوراق صفراء.
وضعتها أمامه.
كريم بدأ يقرأ.
عقود قديمة.
مراسلات.
صور.
وأسماء.
وفي كل ورقة كان اسم أحمد موجودًا بجوار اسم منير الأشقر.
لدرجة إن إيده بدأت ترتعش.
لأن الأوراق دي معناها حاجة واحدة.
أبوه مابدأش الشركة لوحده.
بعد دقائق طويلة من الصمت.
قال كريم
ليه عمره ما قال؟
ردت سارة بهدوء
عشان النهاية ما كانتش حلوة.
رفع عينه لها.
إيه اللي حصل؟
سارة أغمضت عينيها.
واضح إن الذكرى موجعة.
ثم بدأت تحكي.
قبل عشرين سنة تقريبًا...
كان منير وأحمد أصحاب.
مش مجرد شركاء.
كانوا زي الإخوات.
بدأوا من مكتب صغير.
وورق قليل.
وأحلام كبيرة.
وكان أحمد هو العقل العلمي.
أما منير فكان العقل التجاري.
واحد يعرف يصنع الدوا.
والتاني يعرف يبيعه.
وبالتدريج الشركة بدأت تكبر.
لحد ما دخل مستثمر كبير.
ومن هنا بدأت المشاكل.
المستثمر طلب نسبة كبيرة.
وأحمد رفض.
لكن منير وافق.
الخلاف كبر.
وبعدين...
في يوم واحد.
أحمد خرج من الشركة كلها.
من غير ما ياخد تقريبًا أي حاجة.
كريم كان بيسمع وكل كلمة بتقلب أفكاره.
لأن الرواية اللي سمعها من أبوه زمان كانت مختلفة تمامًا.
أبوه قال له إن أحمد سرق أبحاث الشركة وهرب.
لكن الأوراق اللي قدامه بتقول العكس.
قال
أنتِ متأكدة؟
سارة نظرت له مباشرة.
أنا كنت مرات أحمد.
وسكتت لحظة.
ثم أضافت
وشفت كل حاجة بعيني.
في الوقت نفسه...
خرج الدكتور من غرفة الفحص.
كانت ملامحه أحسن شوية.
قال
الحالة مستقرة دلوقتي.
تنفست سارة براحة.
أما كريم فسأل
العملية إمتى؟
كل ما كانت أسرع كان أفضل.
هز رأسه.
ابدؤوا الإجراءات.
سارة بصت له.
أنا لسه ماوافقتش.
ابتسم لأول مرة بصدق.
وأنا لسه ماطلبتش إذنك.
اتضايقت في البداية.
لكن بعد ثواني ضحكت.
ضحكة صغيرة.
يمكن أول ضحكة حقيقية من شهور.
في صباح اليوم التالي...
رجع كريم للشركة.
لكن عقله كان في مكان تاني.
دخل مكتب أبوه القديم.
أول مرة يدخله من بعد الوفاة.
فتح الأدراج.
فتش الملفات.
الصور.
العقود.
كل حاجة.
لحد ما لقى صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
كان مقفول بمفتاح.
لكن المفتاح كان جوه الدرج.
فتح الصندوق.
وفي داخله...
ملف واحد فقط.
مكتوب عليه
أحمد السيوفي.
تجمد مكانه.
لأن الاسم هو نفسه اسم زوج سارة.
فتح الملف بسرعة.
وبدأ يقرأ.
ومع كل صفحة...
وشه كان بيزداد شحوبًا.
لأن الحقيقة كانت أبشع مما تخيل.
أحمد لم يسرق الشركة.
بل تنازل عن حصته بنفسه.
مقابل شرط واحد.
أن تظل بعض الأدوية منخفضة السعر لعلاج الأطفال.
وكان فيه توقيع منير الأشقر بالموافقة.
لكن بعد سنوات...
تم إلغاء الاتفاق.
وتضاعفت الأسعار.
وبعض الأدوية اختفت من الدعم.
ومن ضمنها...
دواء مريم.
قفل الملف بعنف.
وأحس لأول مرة أن جزءًا من الثروة التي يعيش بها اليوم...
ربما بُني على ظلم إنسان آخر.
في المساء.
عاد إلى المستشفى.
وجد سارة جالسة بجوار مريم.
الطفلة كانت مستيقظة لأول مرة.
وعيونها الواسعة تنظر إليه.
ابتسمت له بخجل.
وقال لها
إزيك يا بطلة؟
ابتسمت.
كويسة.
ثم سألت
إنت صاحب الكارت؟
ضحك رغم توتره.
أيوه.
قالت ببراءة
ماما قالت إنك راجل طيب.
شعر بشيء غريب يهز قلبه.
لأن آخر مرة سمع فيها أحدًا يصفه بالطيب...
لا يتذكرها أصلًا.
لكن قبل أن يرد...
دخل رجل كبير في السن إلى الغرفة.
وما إن رأت سارة وجهه...
حتى وقفت فجأة.
وشحب لونها.
أما الرجل فبدا مصدومًا هو الآخر.
وقال بصوت مرتعش
سارة؟!
ثم نظر إلى مريم.
ثم إلى كريم.
وتجمد مكانه.
لأن هذا الرجل لم يكن شخصًا عاديًا.
كان المحامي الشخصي القديم لمنير الأشقر.
والرجل الوحيد الذي يعرف كل أسرار الماضي.
وأول ما وقعت عينه على مريم...
قال جملة قلبت الدنيا كلها
مستحيل...
ثم أشار إلى الطفلة المرتبكة.
وقال
دي المفروض تكون الوريثة الحقيقية لنص ثروة الأشقر.
الغرفة كلها سكتت.
كأن الزمن وقف.
سارة كانت أول واحدة اتكلمت.
إنت بتقول إيه؟
المحامي الكبير قرب خطوة.
وكان واضح إنه مصدوم فعلًا.
بص لمريم مرة تانية.
ثم قال
اسمها مريم أحمد السيوفي؟
هزت سارة رأسها.
أيوه.
قعد الرجل على أقرب كرسي.
وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
أما كريم فكان حاسس إن الدنيا بتلف حواليه.
قال بحدة
حد يفهمني.
المحامي رفع عينه ليه.
وقال
في حاجات كتير اتدفنت مع منير باشا.
زي إيه؟
تنهد الرجل طويلًا.
ثم بدأ يحكي.
قبل أكتر من عشرين سنة...
لما أحمد ومنير كانوا بيبنوا الشركة.
كان فيه عقد خاص بينهم.
مش مجرد شراكة عادية.
العقد كان بيقول إن أي اختراع أو تركيبة دوائية يطوروها سوا تبقى ملك للطرفين بالتساوي.
وفي خلال سنوات قليلة...
أحمد قدر يطوّر تركيبة علاج مهمة جدًا.
العلاج ده هو اللي نقل الشركة نقلة ضخمة.
وحقق أرباح بالمليارات.
لكن وقت الخلاف...
أحمد رفض يدخل في قضايا ومحاكم.
وكان كل اللي طلبه إن العلاج يفضل متاح بسعر مناسب للمرضى.
في المقابل تنازل عن حقوق كتير.
لكن...
في بند إضافي محدش يعرفه.
إلا منير وأحمد والمحامي.
كريم قال بسرعة
إيه البند؟
المحامي بص لمريم.
ثم قال
لو توفى أحمد قبل حصوله على حقوقه كاملة... تنتقل الحقوق لأول وريث شرعي مباشر ليه.
اتسعت عينا كريم.
وسارة شهقت.
أما المحامي فأكمل
وده مكتوب وموثق.
كريم وقف فجأة.
يعني إيه؟
المحامي قال بهدوء
يعني جزء من الأرباح الخاصة بالعلاج ده كان لازم يرجع لأسرة أحمد.
كام جزء؟
سكت الرجل لحظة.
ثم قال
نسبة كبيرة جدًا.
كريم شعر ببرودة تسري في جسمه.
لأن الشركة كانت بتبيع العلاج ده من سنين طويلة.
وأرباحه بالمليارات.
لو الكلام ده صحيح...
فالمبالغ المستحقة ضخمة بشكل لا يُصدق.
سارة كانت مذهولة.
إنت متأكد؟
فتح المحامي حقيبته.
وأخرج نسخة قديمة من العقد.
ووضعها أمامهم.
بدأ كريم يقرأ.
كل صفحة.
كل توقيع.
كل ختم.
كل سطر.
وكانت الحقيقة أوضح من أي شيء.
العقد حقيقي.
وحقوق أحمد لم تُسدّد أبدًا.
مر وقت طويل من الصمت.
ثم قالت سارة
طيب ليه محدش كلمني؟
المحامي أطرق برأسه.
وقال
أنا حاولت.
إزاي؟
بعد وفاة أحمد.
تنهد.
لكن عنوانكم اتغير.
وبعدين؟
بعدها حصلت مشاكل صحية لمنير باشا.
ثم أكمل بصوت منخفض
وبعدين مات.
كريم كان يستمع بصمت.
لكنه شعر بشيء غريب.
هو لا يكره أباه.
ولا يستطيع كرهه.
لكن لأول مرة يرى أن الرجل الذي اعتبره مثاله الأعلى...
كان عنده أخطاء كبيرة.
وأخطاء أثرت على حياة ناس كاملة.
في اليوم التالي.
بدأت إجراءات عملية مريم.
الدكاترة كانوا متفائلين.
لكن سارة كانت مرعوبة.
من ساعة ما دخلت المستشفى وهي بتحاول تبان قوية.
لكن النهارده انهارت.
وقفت في الممر تبكي بصمت.
لأنها خايفة.
خايفة من العملية.
وخايفة تحلم.
لأن الحياة علمتها إن كل حلم كبير بيتكسر.
قرب منها كريم.
ومد لها زجاجة مية.
قال بهدوء
هتبقى كويسة.
هزت رأسها.
نفسي أصدق.
صدقيني.
بصت له.
ثم قالت
إنت عارف أكتر حاجة مخوفاني؟
إيه؟
إني اتعودت أخسر.
الكلمات هزته من جوه.
لأنها كانت حقيقية جدًا.
في ناس الحياة بتوجعهم لدرجة إنهم بيبقوا خايفين من الفرح نفسه.
بعد ساعات...
دخلت مريم غرفة العمليات.
وسارة كانت واقفة عند الباب.
تتابع السرير وهو بيبتعد.
أما الطفلة فكانت مبتسمة.
وقالت لأمها
ماتعيطيش يا ماما.
انهارت سارة أكثر.
لكنها ابتسمت رغم دموعها.
حاضر يا قلب
متابعة القراءة