الملياردير إدّى كارت البنك بتاعه لأم مشردة لمدة ٢٤ ساعة…
الملياردير إدّى كارت البنك بتاعه لأم مشردة لمدة ٢٤ ساعة
وأول حاجة اشترتها خلت قلبه ينهار
كريم الأشقر كان فاكر إنه فاهم كويس الستات اليائسة ممكن تعمل إيه لما يبقى معاها فلوس بلا حدود.
طلع غلطان.
بعد أقل من ساعة على ما سلّم الكارت الأسود بتاعه لأم مشردة في محطة مترو رمسيس
موبايله رن بأول إشعار شراء.
كان متوقع فندق غالي.
هدوم ماركات.
عشا فاخر.
أو حتى محاولة سحب كاش.
لكن أول ما بص على العملية اللي اتدفعت
الدم اتسحب من وشه.
ماكانتش أنانية.
ولا تهور.
كانت حاجة كسرت كل الأفكار اللي عاش عمره مؤمن بيها عن الناس الفقرا.
وقبل ما اليوم يخلص
الحقيقة اللي هتطلع كانت هتدمّرهم هما الاتنين.
كريم الأشقر، عنده ٣٧ سنة، واحد من الناس اللي الناس بتشوفهم على أغلفة المجلات بس.
صاحب مجموعة شركات دوائية بالمليارات.
ساكن في بنتهاوس يطل على النيل.
ساعته تمن شقق.
وبدلته متفصلة في إيطاليا.
اسمه لوحده كان بيفتح أي باب.
لكن كل صباح
كان بيصحى حاسس إنه بيغرق.
الفلوس ادّته سلطة.
تحكم.
خصوصية.
لكن عمرها ما ادّته راحة.
أبوه، منير الأشقر، كان السبب.
من وهو طفل، كان بيقوله قاعدة واحدة
الثقة أغلى من الفلوس والغلبان أول واحد يبيعك لما يجوع.
وكريم صدّق ده طول عمره.
أي تبرع كان بورق ومحامين.
أي خير كان بشروط.
ماساعدش حد لمجرد إنه محتاج.
لحد صباح شتوي ساقع
في محطة رمسيس.
كان مستعجل على اجتماع مهم، وسكرتيره ماشي وراه بيقوله المواعيد.
يا فندم، مجلس الإدارة مستني
كريم وقف فجأة.
لدرجة إن السكرتير خبط فيه.
على الأرض جنب الحيطة
كانت قاعدة ست حوالي أوائل التلاتينات.
لابسة هودي رمادي قديم تحت جاكيت خفيف.
وشها شاحب من البرد.
وشفايفها ناشفة.
وفي طفلة صغيرة نايمة.
يمكن عندها ست سنين.
لابسة بالطو وردي أكبر منها، ومستخبية في صدر أمها كأن الدنيا كلها ممكن تخطفها.
جنبهم كرتونة مكتوب عليها بقلم أسود
أم لوحدي خسرنا بيتنا أي مساعدة ربنا يجازيكم.
الناس كانت بتعدّي كأنهم جزء من الحيطة.
واحد خبط جزمة البنت ومكمّل.
بنت بصت على اللافتة وبعدها لفت وشها.
كريم كان المفروض يعمل زيهم.
لكنه ماقدرش يتحرك.
الست رفعت عينها فيه.
وفي عينيها شاف حاجة ضايقته.
مافيهاش تمثيل.
ولا استعطاف.
بس تعب.
التعب اللي بيدخل جوه العضم بعد ليالي طويلة بتحاول تبان قوية عشان طفلة صغيرة.
بنتها أكتر أول ما شافته.
آسفة
قالتها بصوت متقطع من السقعة.
إحنا مش بنضايق حد ممكن نمشي.
الجملة ضربته بقوة غريبة.
كانت بتعتذر عشان موجودة.
بص للبنت الصغيرة.
ثم للورقة.
ثم لإيد الست.
ضافرها مكسور لكن نضيف.
هدومها قديمة لكن مرتبة.
شكلها واحدة خسرت كل حاجة
بس لسه متمسكة بكرامتها.
اسمك إيه؟
سألها.
اتصدمت إنه كلمها كإنسانة.
سارة.
والبنت؟
بصتلها بحنان.
مريم.
السكرتير قرب منه هامسًا
يا فندم الاجتماع
كريم تجاهله.
بقالكم قد إيه هنا؟
سارة سكتت شوية.
٣ ليالي.
الكلمة كانت هادية.
بس دخلت فيه زي السكينة.
٣ ليالي في محطة.
مع طفلة.
في عز الشتا.
صوت أبوه رجع في دماغه
إوعى تبقى غبي
الفقرا أول ناس يسرقوك.
إيده دخلت جيبه.
طلع الكارت الأسود.
السكرتير شهق.
يا فندم بلاش.
لكن كريم مدّ الكارت لسارة.
هي بصتله كأنه سلاح.
لأ ماينفعش.
ينفع.
أنا حتى ماعرفكش.
وأنا كمان.
إيديها بدأت ترتعش.
ده كتير أوي.
قدامك ٢٤ ساعة.
إيه؟
اعملي بيه اللي إنتِ وبنتك محتاجينه.
والحد كام؟
كريم ضحك بسخرية خفيفة.
مالوش حد.
سارة بقت مرعوبة.
ليه بتعمل كده؟
ماعرفش يجاوب.
يمكن لأنه تعب من إنه يبقى نسخة من أبوه.
يمكن لأن البنت الصغيرة فكّرته بحاجة دفنها جواه.
أو يمكن لأن سارة اعتذرت عن وجودها في عالم الرجالة زيه واخدين فيه أكتر من حقهم.
فقال
عشان عايز أشوف الإنسان يعمل إيه لما محدش يتحكم فيه.
عينيها وجعتها الجملة.
إنت فاكر إني هسرقك.
ما ردش.
والسكوت كان كفاية.
بصت للكارت في إيدها وقالت بهدوء
مش هعمل كده.
لكن بدل ما يحس بالراحة
حس بالخجل.
بعد ٤٧ دقيقة
كريم كان في اجتماع مجلس الإدارة.
الأرقام على الشاشات.
المحامين بيتكلموا.
لكن موبايله رن.
أول عملية شراء.
بص للشاشة.
مش فندق.
مش أكل.
مش هدوم.
محل مستلزمات طبية للأطفال.
١٨٦٠ جنيه.
ثم صيدلية.
ثم عيادة أطفال.
كريم وقف فجأة.
الكل سكت.
السكرتير قال بقلق
يا فندم؟
لكن كريم كان باصص للموبايل ووشه شاحب.
لأول مرة من سنين
حس بخوف حقيقي.
لأن سارة ما صرفتش الفلوس على نفسها.
صرفتها على بنتها.
ولو مريم محتاجة علاج قبل الأكل والسرير
يبقى هو فاتته حاجة خطيرة جدًا.
لبس الجاكيت بسرعة.
رئيس المجلس قال
إحنا في نص اجتماع مصيري!
لكن كريم كان ماشي ناحية الباب.
وقال بصوت مكسور عمرهم ما سمعوه منه
لأ
أظن لسه لاقي المصيبة الحقيقية.
وهو راجع يجري على محطة رمسيس
ماكانش يعرف إن الست المشردة اللي افتكر إنه بيختبرها
شايلة سر مدفون جوه شركات عيلته نفسها.
سر أبوه أخده القبر معاه.
وسر هيخلّي كريم يكتشف إن البنت الصغيرة اللي نايمة
كريم وقف بعربيته قدام محطة رمسيس ونزل بسرعة لدرجة إن السواق جرى وراه.
المطر الخفيف كان بدأ ينزل، والبرد زاد أكتر.
دخل المحطة وهو بيبص في كل اتجاه.
نفس الركن.
نفس الحيطة.
لكن سارة ومريم ماكانوش موجودين.
وقف مكانه متوتر لأول مرة من سنين.
طلع موبايله وبص على العمليات.
عيادة أطفال.
صيدلية.
محل أجهزة تنفس صغيرة للأطفال.
ثم عملية جديدة ظهرت قدامه.
مركز تحاليل.
تنفس ببطء.
البنت مريضة.
أكيد مريضة.
لكن قد إيه؟
لف يدور عليهم في المحطة كلها.
لحد ما لمحهم عند المخرج.
سارة كانت قاعدة على كرسي بلاستيك صغير ومريم نايمة .
لكن المرة دي كان معاهم شنطة أدوية كبيرة.
قرب منهم بسرعة.
سارة رفعت عينيها باستغراب.
رجعت؟
بص للبنت.
هي تعبانة؟
سارة سكتت.
واضح إنها مترددة.
لكن بعد ثواني قالت
عندها مشكلة في القلب.
كريم حس إن قلبه دق بعنف.
إيه؟
من وهي صغيرة.
بص على مريم.
كانت ضعيفة بشكل واضح.
وشها أصفر.
وأنفاسها أبطأ من الطبيعي.
قال بهدوء
ليه ماكنتشوا في مستشفى؟
ضحكت سارة ضحكة مكسورة.
عشان المستشفى عايزة فلوس.
الكلمات كانت بسيطة.
لكنها ضربته بقوة.
قعد قصادها على الكرسي.
إيه التشخيص؟
فتحت الشنطة وطلعت ملف طبي قديم.
كريم أخده.
بدأ يقلب الصفحات.
ومع كل صفحة ملامحه كانت بتتغير.
ثم فجأة وقف عند اسم معين.
اسم شركة الأدوية المنتجة للعلاج المطلوب.
كانت شركته.
شركة الأشقر فارما.
اتجمد مكانه.
سارة لاحظت تغير ملامحه.
في حاجة؟
كريم قفل الملف ببطء.
العلاج ده المفروض يكون مدعوم.
المفروض.
قالتها بمرارة.
بس مابيكونش موجود غير للناس اللي عندها واسطة.
الكلمة دخلت فيه كالسهم.
لأنه عارف إن ده ممكن يكون حقيقي.
عارف كويس إن الفساد بيتسلل لأي مكان مهما حاول يمنعه.
سكت للحظات.
ثم قال
تعالي معايا.
سارة اتفاجئت.
فين؟
مستشفى أحسن.
هزت رأسها بسرعة.
لا.
ليه؟
عشان أنا مش متعودة آخد أكتر من حقي.
لأول مرة حس كريم بالخجل من نفسه.
لأن الست اللي نايمة في الشارع عندها كرامة أكتر من ناس كتير قابلوهم في اجتماعات الملايين.
بعد ساعة.
كانوا في مستشفى خاص.
أفضل من أي مكان دخلته سارة في حياتها.
الدكاترة استقبلوا مريم فورًا.
بدأت الفحوصات.
وسارة قاعدة متوترة في غرفة الانتظار.
كريم كان واقف عند الشباك.
ثم سمعها تقول
شكرًا.
بصلها.
على إيه؟
عشان صدقت إننا بشر.
الجملة خلت الكلام يختفي من لسانه.
لأن الحقيقة إنه ماكانش مصدق.
على الأقل في البداية.
كان بيختبرها.
بيشوف هتعمل إيه.
وكان متأكد إنها هتصرف الفلوس على حاجات تانية.
لكنها اختارت بنتها.
كل جنيه.
كل عملية.
كل خطوة.
كانت لمريم.
ولأول مرة بدأ يحس إن أبوه ممكن يكون غلط.
غلط طول عمره.
بعد ساعات خرج الدكتور.
القلق ظهر على وشه.
قرب منهم.
مين المسؤول عن الحالة؟
كريم وقف.
أنا.
الدكتور فتح الملف.
البنت محتاجة عملية.
سارة أغمضت عينيها.
واضح إنها سمعت الكلام ده قبل كده.
الدكتور أكمل
في أسرع وقت.
كريم سأل
تكلفتها؟
رقم العملية اتقال.
رقم كبير.
لكن بالنسبة لكريم كان أقل من تمن ساعة في إيده.
قال فورًا
هتتعمل.
سارة التفتت له بسرعة.
لا.
الدكتور استغرب.
وكريم استغرب أكتر.
لا ليه؟
قالت بصوت مرتعش
مش هخليك تدفع المبلغ ده.
ليه؟
لأني ماعرفكش.
ابتسم بحزن.
يمكن لازم تعرفيني.
في الليلة دي.
قعدوا في كافيتيريا المستشفى.
لأول مرة.
سارة بدأت تحكي.
كانت مدرسة لغة عربية.
جوزها توفى من أربع سنين في حادث.
بعدها تراكمت الديون.
الشقة اتباعت.
الشغل ضاع.
والمرض أكل كل مدخراتها.
كانت بتحارب لوحدها.
كل يوم.
كل ساعة.
كل دقيقة.
عشان بنتها تعيش.
كريم سمع كل كلمة.
بدون ما يقاطعها.
ولأول مرة من سنين حس إنه بيتعلم حاجة.
إن الناس مش دايمًا فقرا بسبب الكسل.
ومش دايمًا محتاجين شفقة.
أحيانًا بيكونوا بس محاصرين.
لكن أثناء الكلام.
سارة طلعت صورة قديمة