يوم قراية وصية جدي، مرات أبويا كانت طايرة من الفرحة وهي بتحتفل بالملايين اللي ورثتها، وأنا ماخدتش غير ظرف أصفر قديم فيه رقم تليفون مكتوب بخط مهزوز.
يوم قراية وصية جدي، مرات أبويا كانت طايرة من الفرحة وهي بتحتفل بالملايين اللي ورثتها، وأنا ماخدتش غير ظرف أصفر قديم فيه رقم تليفون مكتوب بخط مهزوز. ضحكت عليّا وقالت بسخرية إنه أكيد كشف حساب ديون المستشفى اللي جدي سابها وراه. لكن أول ما اتصلت بالرقم، سمعت صوت راجل بيقول
أخيرًا اتصلتي يا مدام رئيسة مجلس الإدارة... إحنا مستنيين مكالمتك من زمان.
المطر كان لسه واقف حالًا لما دخلت ملك الشاذلي مبنى مكتب المحاماة العريق في وسط القاهرة، المكان اللي جديها الحاج حسن الشاذلي كان مقرر تتقري فيه وصيته.
كان عندها تسعة وعشرين سنة، لابسة بالطو أسود لسه متعلق فيه ريحة المستشفيات. سنتين كاملين وهي اللي كانت جنبه في مرضه... بتوديه جلسات العلاج، بتسهر جنبه الليالي، وبتقرا له التقارير والحسابات لما بقى تعبه أكبر من إنه يركز فيها.
أما مرات أبوها، نادية الشاذلي، وصلت متأخرة ربع ساعة كالعادة، لابسة بدلة فخمة ومستعرضة دهبها وألماسها قدام الكل.
عدت جنب ملك وقالت بابتسامة مستفزة
حاولي متعمليش نفسك حزينة أوي يا ملك... الراجل عاش عمره كله وخد نصيبه.
وراها كان ماشي أخوها غير الشقيق كريم، ماسك موبايله ومش فارق معاه أي حاجة، كأنه جاي يحجز تذكرة سينما مش يحضر تقسيم تركة.
دخلوا قاعة الاجتماعات.
المحامي فتح ملف الوصية وبدأ يقرا بهدوء
الفيلا الكبيرة في التجمع... من نصيب نادية.
الحسابات البنكية والاستثمارات اللي بالملايين... من نصيب نادية.
الأراضي والعقارات والسيارات الكلاسيكية... من نصيب نادية.
كل حاجة...
من نصيب نادية.
حطت إيدها على صدرها ومثلت التأثر، بينما كريم ابتسم بانتصار.
أما ملك...
فضلت ساكتة.
مفيش حاجة.
ولا البيت اللي اتربت فيه ذكرياتها مع جدها.
ولا المزرعة اللي كان بيعلمها فيها ركوب الخيل.
ولا حتى ساعته القديمة اللي وعدها وهي صغيرة إنها هتبقى ليها يومًا ما.
وأخيرًا رفع المحامي عينه وقال
أما لحفيدتي ملك حسن الشاذلي... فأترك لها الظرف الشخصي المرفق، على أن تفتحه وقت ما تحب.
ودفع ظرف أصفر قديم ناحيتها.
نادية بصت للظرف ثواني... وبعدها انفجرت ضحك.
بس كده؟! ظرف؟!
كريم مال لقدام وقال ساخرًا
يمكن خريطة كنز!
ضحكت نادية أكتر وقالت
لا يا حبيبي... أكيد فواتير المستشفى اللي لسه ما اتدفعتش.
حست ملك بإيديها بتترعش وهي ماسكة الظرف.
لكن ما ردتش.
قامت وسابت القاعة قبل ما حد يشوف الدموع اللي كانت محبوسة في عينيها.
وقفت في الممر، وسندت ضهرها على عمود رخامي بارد.
وفتحت الظرف.
كان جواه كارت صغير جدًا.
لا جواب.
لا تفسير.
لا حتى كلمة وداع.
بس رقم تليفون مكتوب بخط جديها المرتعش.
وتحت الرقم ثلاث كلمات بس
متثقيش في حد.
دقات قلبها زادت.
للحظة فكرت ترمي الكارت.
وتعتبر إن جديها ظلمها زيه زي الباقيين.
إزاي يسيب كل حاجة للست اللي ما سألتش عنه غير قبل موته بأيام؟
لكن فجأة افتكرت آخر ليلة كان واعي فيها في المستشفى.
لما مسك إيدها وقال بصوت ضعيف
يا ملك... لما تلاقي الناس كلها بتزعق حواليكي... دوري على الحاجة اللي ساكتة. الحقيقة عمرها ما بتكون أعلى صوت.
الكلام رجعلها دلوقتي.
ضحكة نادية.
شماتة كريم.
برود المحامي.
كل الأصوات دي كانت بتدوي في دماغها.
أخرجت موبايلها.
وبإيد مرتعشة طلبت الرقم.
رن مرة واحدة فقط.
ثم رد راجل.
صوته كان هادي، رسمي... وكأنه كان مستني المكالمة دي من سنين.
قال
الآنسة ملك الشاذلي؟
اتجمدت مكانها.
مين معايا؟
ساد صمت قصير.
ثم رد الرجل بنبرة احترام واضحة
أخيرًا يا فندم... إحنا كنا مستنيين اتصال حضرتك.
سكت لحظة قبل ما يكمل الجملة اللي قلبت حياتها كلها
أهلًا بيكي يا مدام رئيسة مجلس إدارة مجموعة الشاذلي القابضة.
وفي اللحظة دي...
عرفت ملك إن جديها ما سابش لها ظرف...
جديها ساب لها إمبراطورية كاملة، وخبى الحقيقة في مكان محدش كان يتوقعه.
والأخطر من كده...
إن نادية وكريم ماكانوش يعرفوا أي حاجة عن السر ده.
لسه... والكارثة الحقيقية كانت على وشك تبدأ.
وقفت ملك في مكانها كأن الأرض اتحركت من تحت رجليها.
إيه؟!
قالتها بصوت مرتعش وهي مش مستوعبة اللي سمعته.
جالها الرد فورًا
أنا المستشار عادل منصور، المدير التنفيذي لمجموعة الشاذلي القابضة. جد حضرتك أمرنا ما نتواصلش معاكي إلا بعد ما تتصلي بالرقم بنفسك.
حست إن أنفاسها اتلخبطت.
بس... الوصية كلها كانت باسم نادية!
تنهد الرجل وقال
وده بالضبط اللي كان جدك عايزه الكل يفتكره.
بعد ساعة واحدة كانت ملك قاعدة في الطابق الأربعين من برج ضخم يطل على القاهرة كلها.
قدامها ملفات ومستندات وعقود.
كلها بتثبت حاجة واحدة.
الحاج حسن الشاذلي قبل وفاته بثلاث سنين نقل ملكية أكبر شركاته وصناديقه الاستثمارية إلى شركة خاصة سرية.
والشركة دي...
كانت باسم شخص واحد فقط.
ملك حسن الشاذلي.
الأصول اللي باسم الشركة كانت تتجاوز عشرات المليارات.
أضعاف اللي ورثته نادية كلها.
اتسعت عيناها بذهول.
ليه عمل كده؟