قبل فرحها بيوم واحد، بنتي طلبت مني هدية قدام كل الناس إني أختفي من حياتها
حفيدته...
سكت كريم.
لكن بقيت الجملة وصلت.
وصلت كاملة.
ريم ما كانتش محرجة مني.
ريم كانت بتبعدني.
عشان الفلوس.
قفلت المكالمة.
وما نمتش.
فضلت قاعدة قدام الظرف الأبيض.
وأول مرة أحس إن اللي جاي أسوأ من أي حاجة فاتت.
الصبح الساعة تسعة.
جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت راجل واقف بعكاز خشب.
شعره أبيض بالكامل.
وعينيه مليانة دموع.
أول ما شافني...
بدأ يرتعش.
نجلاء؟
صوته كان مبحوح.
قديم.
متكسر.
لكن فيه حاجة غريبة.
حاجة مألوفة.
ورغم إني ما شفتش أبويا غير وأنا طفلة...
عرفته.
معرفش إزاي.
بس عرفته.
وقف قدامي.
وبكى.
بكى كأنه بيبكي عمر كامل.
سامحيني.
الكلمة خرجت منه قبل السلام.
قبل أي حاجة.
سامحيني.
أمي خرجت من أوضتها.
وأول ما شافته...
وشها اتغير.
لونها راح.
والفنجان وقع من إيدها واتكسر.
حسن؟
قالت الاسم كأنها شافت شبح.
الراجل بص لها.
والدموع نزلت أكتر.
فاطمة...
في اللحظة دي بس فهمت.
أبويا ما ماتش.
كان عايش.
كل السنين دي.
عايش.
قعدنا ساعات.
وأنا ساكتة.
بسمع.
بس.
أبويا حكى كل حاجة.
قبل أربعين سنة تقريبًا دخل شراكة تجارية كبيرة.
واحد من شركائه لفّق له قضية.
واتحكم عليه بالسجن.
قبل تنفيذ الحكم هرب.
وسافر.
وكان فاكر إنه هيرجع بعد شهور.
لكن الشهور بقت سنين.
والسنين بقت عمر.
لحد ما ظهرت براءته أخيرًا.
لكن بعد ما خسر كل حاجة.
زوجته.
وبنته.
وعمر كامل.
أمي كانت بټعيط.
وأحيانًا بتزعق.
وأحيانًا تسكت.
أما أنا...
فكنت حاسة إني بتفرج على فيلم.
مش حياتي.
لحد ما مد إيده بملف كبير.
وحطه قدامي.
ده كله ليكي.
فتحت الملف.
عقود.
شركات.
أراضي.
عمارات.
حسابات.
أرقام عمري ما شفت زيها.
قفلت الملف فورًا.
مش عايزة حاجة.
بصلي بحزن.
بس أنا عايز أصلح اللي أقدر عليه.
ولا حاجة هتعوض اللي فات.
هز رأسه.
عارف.
وسكت.
لأنه فعلًا كان عارف.
الساعة اتنين ظهرًا موبايلي اڼفجر مكالمات.
ريم.
كريم.
منى الچارحي.
أرقام غريبة.
رسائل.
عشرات الرسائل.
أول رسالة من ريم كانت
ماما... لازم نتكلم.
بس.
مبقاش في كلمة يا ماما الحنينة.
ولا قلب.
ولا حاجة.
مجرد ضرورة.
ابتسمت.
ومردتش.
بعد نص ساعة رسالة تانية.
اللي حصل امبارح كان سوء تفاهم.
بعدها
أنا كنت متوترة.
بعدها
ممكن تردي؟
بعدها بخمس دقايق
الفرح اتلغى؟!
آه.
عرفت.
أخيرًا عرفت.
الساعة أربعة العصر.
باب البيت خبط پعنف.
فتحت.
لقيت ريم.
وشها شاحب.
وعيونها حمرا.
وأول ما شافتني...
جريت عليا.
تحاول تحضني.
لكن للمرة الأولى في حياتها...
أنا اللي بعدت خطوة.
وقفت مكانها.
كأن حد ضربها.
ماما...
خير؟
بدأت ټعيط.
ليه عملتي كده؟
عملت إيه؟
الفرح!
الفرح اللي طلبتي صاحبته تختفي من حياتك؟
سكتت.
البيت!
البيت اللي قولتي إنه بيتك؟
سكتت تاني.
بصيت في الأرض.
وبعدين قالت
كنت ڠضبانة.
وأنا كنت أمك.
رفعت عينيها.
والدموع نازلة.
أنا غلطت.
لأ.
هزت رأسها بسرعة.
والله غلطت.
ابتسمت بهدوء.
الغلط بيتقال في لحظة ڠضب يا ريم.
لكن إنتِ كررتيه.
قدام الناس.
وقدام جدتك.
وقدام نفسك.
كل مرة اخترتي نفس القرار.
اڼهارت على الكرسي.
وبدأت تبكي.
لكن لأول مرة...
دموعها ما هزتنيش.
لأن بعض الچروح لما توصل للعظم...
الدموع مبتكفيش.
قبل ما تمشي.
اديتها الظرف الأبيض.
نفس الظرف.
اللي كتبته بالليل.
بإيدي.
فتحته.
وقرأت الورقة.
وكان مكتوب فيها
يا ريم...
لما تولد أم يومًا ما، وتصحى تعبانة عشان ابنها، وتشتغل عشانه، وتخاف عليه، وتبيع من عمرها عشان يضحك...
وقتها بس هتفهمي
إن الأم مش مجرد شخص موجود وقت الحاجة.
الأم هي الشخص اللي بيفضل موجود حتى بعد ما الكل يمشي.
أنا مسامحاكي.
لكن المسامحة شيء.
والثقة شيء تاني.
خدي حياتك.
وابنيها بنفسك.
زي ما بنيت حياتي أنا.
أمك... نجلاء.
خلصت القراءة.
وبكت أكتر.
لكن الورقة كانت انتهت.
والحكاية القديمة كمان كانت انتهت.
أما البداية الجديدة...
فكانت لسه بتبدأ.