جوزي قالي قدام اهله من النهارده، لو عايزة تاكلي، اشتري أكلك بنفسك… أنا زهقت من إني شايلك زي الملكات.”
كويس.
لأن أغلب الموجودين كانوا فاكرين إنه هو اللي بيصرف على البيت كله.
وإن مراته قاعدة مرتاحة.
ساعتها قمت من مكاني.
وجبت الملف الأزرق اللي كنت مجهزاه.
وحطيته على السفرة.
أحمد أول ما شافه اتوتر.
إيه ده؟
الحقيقة.
فتحت الملف قدامهم.
فواتير.
إيصالات.
تحويلات.
دفعات كهربا.
غاز.
مياه.
إيجار المحل اللي بشتغل فيه ساعات إضافية.
وحتى فواتير طلبات الأكل اللي كانت بتتطلب لما العيلة كلها تيجي فجأة.
أم أحمد كانت بتقلب الورق وهي مش مصدقة.
كل ده إنتِ اللي دافعاه؟
أيوة.
وأحمد؟
سكتُّ.
لأن الأرقام هي اللي كانت بتتكلم.
واحدة من خالاته قالت بدهشة
ده ندى دافعة أكتر من نص مصاريف البيت!
رد مصطفى بهدوء
أكتر من النص بكتير.
لأول مرة أحمد فقد أعصابه.
خبط بإيده على الترابيزة.
هو إحنا هنعمل محكمة؟
بصيتله بثبات.
لا.
أمال إيه؟
مجرد توضيح.
توضيح لإيه؟
لإني تعبت من إني أبقى الغلطانة طول الوقت.
سكت.
وأكملت
كل مرة كنت تقول للناس إنك شايل البيت لوحدك كنت بسكت.
كل مرة كنت تقلل من تعبي كنت بسكت.
كل مرة كنت تعتبر شغلي مجرد تسلية كنت بسكت.
بس من النهارده لا.
الصمت اللي في المكان كان تقيل جدًا.
وأم أحمد كانت باصة لابنها بنظرة عمره ما شافها منها.
نظرة خيبة.
مش غضب.
وده كان أصعب.
بعد نص ساعة تقريبًا بدأ الضيوف يمشوا واحد ورا التاني.
مفيش عيد ميلاد.
مفيش تورتة.
مفيش احتفال.
بس في حقائق اتقالت لأول مرة.
ولما آخر شخص خرج من البيت...
وقف أحمد قدامي.
كان واضح إنه بيحاول يسيطر على عصبيته.
ارتحتي كده؟
بصيتله.
جدًا.
كسفتيني قدام أهلي.
وأنا؟ لما كسفتني قدامهم يوم ما قلت إني باكل من خيرك؟
ما ردش.
لأنه ما كانش عنده رد.
عدّى أسبوع كامل.
البيت ساكت.
كل واحد في ناحية.
لكن الغريب إن أحمد بدأ يلاحظ حاجات عمره ما كان بياخد باله منها.
لاحظ إن هدومه النظيفة ما بقتش تظهر فجأة في الدولاب.
لاحظ إن مفيش أكله المفضل بيتحضر من غير ما يطلب.
لاحظ إن البيت اللي كان دايمًا مرتب محتاج مجهود كبير عشان يفضل بالشكل ده.
ولاحظ أهم حاجة...
إني بقيت سعيدة من غيره.
كنت برجع من شغلي وأشتغل على طلبات التورتات.
ومشروعي الصغير بدأ يكبر.
لدرجة إني في يوم استلمت طلبية كبيرة من شركة كانت عايزة حلويات لحفل افتتاح فرع جديد.
وقتها دخل عليّ المطبخ.
الطلبية دي بكام؟
رفعت عيني من على الحسابات.
ليه؟
بسأل.
قلت الرقم.
فشهق.
لأن المبلغ كان أكبر من مرتبه في شهر كامل.
قعد على الكرسي وهو ساكت.
وأول مرة شفت في عينه حاجة غير الغرور.
شفت صدمة.
وكأنه اكتشف فجأة إن الست اللي كان بيقلل منها طول الوقت...
كانت أقوى مما تخيل.
وفي نفس الليلة، وهو فاكر إني نايمة، سمعته بيتكلم مع مصطفى في التليفون.
وكان صوته منخفض ومكسور شوية.
أنا غلطت يا مصطفى.
رد أخوه
أخيرًا عرفت.
كنت فاكر إنها عمرها ما هتمشي.
المشكلة مش إنها تمشي.
أمال إيه؟
المشكلة إنك خلتها تعيش سنين وهي حاسة إن قيمتها أقل من حقيقتها.
سكت أحمد.
وسكتة المرة دي كانت أطول من أي كلام.
لأن بعض الكلمات... لما تتقال في وقتها المتأخر، بتبقى أثقل من الجبال.