إنتي فاكرة إنك لما ترمي طفلين في التلج كدة الموضوع خلص؟ معلش، من اللحظة اللي البنت الصغيرة دي ندهت فيها اسمي، إنتي مضيتي على نهايتك بإيدك."

لمحة نيوز

" دي كانت الكلمة اللي قالها المدير التنفيذي بكل برود وهو بيشيل البيبي اللي جسمه كان مولع نار، وماسك إيد البنت اللي كانت بتترعش، وعينه في عين مرات الأب اللي حولت عتبة البيت لساحة جريمة وخيانة.
​أنا اسمي هشام عز الدين. عندي 44 سنة، صاحب شركة شحن وتوريدات طبية في القاهرة. طول حياتي كنت مقتنع إن الكوارث نوعين: يا إما حاجات تقدر تتوقعها، يا إما حاجات بتدفع فلوس لناس شاطرة عشان يمنعوها. بس كل ده اتغير لما أعز صحابي مات، وبعدها بيومين لقيت ولاده مرميين على سلم البيت زي الشنط المقطوعة.
​صحبي كان اسمه ياسين كمال. اتقابلنا في الجامعة، وكل واحد فينا بنى شركته، حضرنا أفراح بعض، ودفنا أوهامنا مع بعض غلطة ورا غلطة. ياسين كان أعقل مني، وأصبر بكتير. بعد ما مراته الأولى ماتت، قعد 3 سنين بيتعلم إزاي يكون للأب والأم في نفس الوقت لبنته ليلى. وبعدين اتجوز نهى؛ الست اللي كانت بتعرف تمثل الحزن قدام الناس زي الممثلين المحترفين. لما ياسين مات فجأة وهو عنده 42 سنة، الكلام الرسمي كان سكتة قلبية بسبب الضغط والتوتر ومضاعفات دوا كان بياخده. أنا صدقت.. عشان الحزن بيخلي أذكى الرجالة يصدقوا أي حاجة.
​الليلة اللي غيرت كل حاجة، الجو كان برد جداً والمطر ما بيبطلش. روحت فيلا ياسين بعد ما جالي تليفون من الشغالة، قالتلي إنها ممنوعة من دخول البيت بقالها يومين. أول ما وصلت، لقيت "ليلى" قاعدة على السلم ببالطو بينك صغر عليها، وحاضنة أخوها الصغير يحيى في حضنها ومغطياه ببطانية كانت مبلولة وبتلج من البرد. يحيى كان عنده 10 شهور، وبيعيط بصوت ضعيف قوي، وليلى كان عندها 7 سنين وما كانتش بتعيط.. وده اللي رعبني أكتر مما لو كانت بتصوت.
​"نهى" كانت واقفة ورا باب الفيلا وماسكة كاس في إيدها. ما كانتش متفاجئة إني جيت. قالتلي بمنتهى البرود إن العيال "حمل تقيل"، وإن يحيى تعبان، وليلى بدأت تبقى "خبيثة"، وإن ياسين ساب الدنيا "متلخبطة مادياً". قالت إنها محتاجة تقعد لوحدها، وقالتلي إني ماليش دعوة وأمشي.
​ساعتها ليلى بصت في عيني وقالت بهمس: "أونكل هشام.. أرجوك ما تسيبناش هنا."
​الجملة دي شقلبت كياني.
​خدت العيال ومشيت. نهى قعدت تهددني بالمحاميين والقانون وأنا رايح لبيتي. في المستشفى، يحيى اتشخص بالتهاب حاد في الأذن، وجفاف، وآثار "منوم" ما ينفعش طفل في سنه ياخده أبداً من غير إشراف طبي دقيق. ليلى كانت قاعدة جنبي على الكرسي، ضامة إيدها لبعض، ومبرقة لباب الطوارئ كأنها خايفة نهى تدخل من الباب في أي لحظة.
​على نص الليل، ليلى نطقت أخيراً. قربت مني وقالت بصوت واطي قوي: "طنط نهى غيرت الدوا بتاع بابا ليلة ما مات.. وأنا شفت الراجل اللي كان بيساعدها."
​وبعدين طلعت ورقة صيدلية مكرمشة من جيبها.
​السؤال هنا: ليه طفلة عندها 7 سنين تخبي دليل زي ده في جيبها يومين؟ ومين بالظبط الراجل اللي كان واقف في مكتب ياسين ليلة ما صحبي خد آخر جرعة من دواه؟
​الورقة اللي ليلى طلعتها من جيبها ما كانتش مجرد روتشتة، دي كانت فاتورة من صيدلية بعيدة تمامًا عن منطقتهم، ومكتوب فيها اسم دوا غريب.. دوا مهدئ قوي جداً، وياسين الله يرحمه كان بيشتكي من مشاكل في القلب، والدوا ده ممنوع تماماً لحالته.

ساعتها، الدنيا لفت بيا. كل حاجة بدأت تتربط ببعضها؛ موت ياسين المفاجئ، اختفاء الست نهى المفاجئ بعد الوفاة، ورمي الولاد في البرد ده.

قررت إني مش هسكت. كلمت محامي صاحبي، وبدأنا نتحرك في اتجاهين: الأول، حماية ليلى ويحيى، والتأكد إنهم في أمان تام بعيد عن نهى وعن أي حد ممكن يأذيهم. والتاني، البحث عن الحقيقة ورا موت ياسين.

اكتشفنا إن نهى كانت بتخطط لكل حاجة من بدري. كانت بتدي ياسين الدوا المهدئ ده في الأكل والشرب من غير ما يحس، وده اللي خلى حالته الصحية تتدهور بسرعة لحد ما مات بسكتة قلبية. وكمان عرفنا إن الراجل اللي ليلى شافته مع نهى، كان صيدلي بيشتغل في الصيدلية اللي اشتروا منها الدوا المهدئ.

بمساعدة الشرطة، قدرنا نقبض على نهى والصيدلي، واتقدموا للمحاكمة. ليلى ويحيى بقوا في حضانتي، وعيشتهم كأنهم ولادي بالضبط. وكل يوم ببص في عيونهم، بفتكر صاحبي ياسين، وبشكر ربنا إن قدرني أنقذهم من جحيم نهى.

​ومهما فات الوقت، مش هنسى اليوم اللي ليلى قالتلي فيه: "أونكل هشام.. أرجوك ما تسيبناش هنا." الجملة دي كانت بداية حياة جديدة لينا، حياة مليانة حب وأمان وسلام.

تم نسخ الرابط