الفرح اللى اتقلب خناقه
الفرح اللي اتقلب خناقة
في فرح حفيدي "أحمد"، اللي كان متكلف الشيء الفلاني، ركنوني في ركن بعيد ورا شجرة زينة وجنب باب المطبخ، بحجة إن "الست الكبيرة محتاجة هدوء". "نيرمين"، العروسة، كانت ماشية بفستانها الغالي وفجأة وهي بتعدي من جنبي، خبطت العكاز بتاعي برجلها ورمته بعيد على الرخام ولا كأن في حاجة حصلت.
بصتلي ببرود وقالت بلهجة كلها قرف: "أوبس.. معلش يا ست تيتة، لمي كراكيبك دي بعيد عن طريقي، شكل القاعة بقى مبهدل."
وسابتني ومشت تتمايل، بس "ياسين"، ابنها الصغير اللي عنده 6 سنين (من جوازتها الأولانية)، جري بسرعة وجاب لي العكاز
قرب مني وهو خايف وقال بصوت واطي: "تيتا.. ممكن أقولك سر؟" أخدت إيده الصغيرة في إيدي وقلتله: "قول يا حبيبي، مفيش سر بيننا."
مال على ودني وقال: "ماما خبت صورة في جزمتها.. صورة كابتن ميمو بتاع الجيم." قلبي وقع في رجلي، "ميمو" ده المدرب بتاعها وأنا كنت شاكة فيهم من زمان.
سألته وأنا بحاول أتمالك أعصابي: "وهي عملت كده ليه يا حبيبي؟"
قال لي: "سمعتها بتقول لخالتو في الكوافير إنها لزقت الصورة بـ 'صمغ' في قعر الجزمة من جوه.. وقالت إنها عاوزة 'تدوس' على أحمد (حفيدي) حرفياً وهي ماشية في الزفة.. وقالت إن ميمو هو حب عمرها، لكن أحمد مجرد 'محفظة' ماشية على الأرض."
الدنيا لفت بيا.. دي مش بس خيانة، دي قلة أصل وإهانة لحفيدي في يوم فرحه! سألته بسرعة: "صمغ؟ من اللي بتستخدموه في المدرسة ده؟"
هز راسه وقال: "آيوه، وقالت إنه بيطلع بالماية عادي عشان تحافظ على الصورة بعدين." (يعني صمغ بيدوب في الماية!)
بصيت لكوباية الماية المشبرة اللي قدامي، وبصيت للعروسة اللي واقفة في نص القاعة ومنفوشة بجمالها المزيف. طلعت ورقة بـ 200 جنيه وحطيتها في جيب البدلة الصغير بتاع ياسين.
قلتله بابتسامة خبيثة: "ياسين يا حبيبي.. تقدر تعملي فيها 'ملخوم' شوية النهاردة؟"
بص للفلوس، وبعدين لكوباية الماية، وبعدين لأمه، وفهم اللعبة.. وقال لي: "عاوزاني أدلق الماية عليها؟"
همست له: "مش بس تدلقها.. أنا عاوزاك توري ماما الصمغ بيعمل إيه لما بيشم الماية.. روح يا بطل، المزيكا بدأت أهي!"
ياسين بطل صغير، أخد كوباية الماية المشبرة ومشي وسط المعازيم بخفة، وأنا عيني عليه وقلبي بيدق زي الطبلة. المزيكا عليت، و"أحمد" حفيدي كان واقف مستنيها في نص القاعة والابتسامة ماليّة وشه، مش فاهم الغدر اللي متداري تحت رجلين العروسة.
نيرمين كانت ماشية زي الطاووس، وفجأة، ياسين عمل نفسه اتكعبل في طرف فستانها الطويل، وراح "بكل عفوية" دالق كوباية الماية المشبرة كلها بالتلج بتاعها على جزمة نيرمين ورجلها من تحت.
القاعة كلها سكتت، ونيرمين برقت وعينها طلعت شرار، وصرخت: "يا غبي! بوظت الشوز والشراب!"
أحمد حفيدي جري عليها يحاول يهديها ويقولها "حصل خير ده طفل"، بس الماية كانت قامت بالواجب. الصمغ اللي هي مستخدماه من النوع الرخيص اللي بيدوب في ثانية، ومع حركة رجلها وهي بتنفض الماية، الجزمة "تزيقت" والصورة اللي كانت لزقاها بدأت تتزحلق من تحت رجلها وتطلع لبره.
ياسين، بذكاء منه، وطي بسرعة كأنه بيساعدها، وراح شادد الورقة اللي طالعة من الجزمة وصاح بصوت عالي سمّع القاعة كلها: "إيه ده يا ماما؟ دي صورة كابتن ميمو! وجوه جزمتك ليه؟"
لحظة صمت رهيبة سادت المكان، كأن حد فصل الكهرباء عن الفرح كله. نيرمين وشها بقى ألوان، وأحمد حفيدي ملامحه اتغيرت 180 درجة. مد إيده وأخد الصورة من ياسين، وبص فيها وهو مش مصدق.
نيرمين بدأت تتلعثم: "أحمد.. والله دي.. دي صورة قديمة.. أنا.. أنا كنت..."
أنا في اللحظة دي قررت أخرج من الركن المداري بتاعي. قمت ومشيت بوقار وسندت على عكازي، ووصلت لغاية عندهم والكل وسع لي السكة. بصيت لأحمد وقلتله بصوت واطي ومسموع:
"يا ضنايا، اللي تحط صورة راجل غريب تحت رجلها يوم فرحك عشان تدوس عليه وهي ماشية جنبك، يبقى مش شايفاك راجلها، دي شايفاك مجرد بنك بيصرف عليها عشان تتمنظر قدام حبيب القلب."
نيرمين صرخت فيا: "انتي بتقولي إيه يا ست يا كركوبة انتي؟ انتي عاوزة تخربي بيتي؟"
ضحكت ضحكة سخرية وقلت لها: "البيت اللي يتبني على غش بيقع من أول كوباية مية يا بنتي. وبعدين يا نيرمين، عيب لما تقولي لأختك في الكوافير إن أحمد 'مجرد محفظة'.. الحيطان ليها ودان، والعيال الصغيرين مبيعرفوش يخبوا."
أحمد بص لنيرمين نظرة عمري ما شوفتها قبل كده، نظرة حد فاق من غيبوبة. قلع "الدبلة" بهدوء غريب و رماها في نص تورطة الفرح اللي كانت طولها مترين، وقال لها بكلمة واحدة هزت القاعة: "بره."
أهل نيرمين بدأوا يزعقوا ويقولوا "دي فضيحة"، بس أحمد نده على أمن القاعة وقالهم: "الست دي وعيلتها يخرجوا بره حالاً، والفرح ده هينقلب عقيقة، أو أي حاجة تانية، المهم الوجوه دي متشوفهاش عيني."
نيرمين خرجت وهي بتلملم فستانها المبلول وبتعيط بتمثيل، بس محدش تعاطف معاها. ياسين الصغير جه وقف جنبي ومسك إيدي، بصيت له وقلتله: "عارف يا ياسين، النهاردة أنا هخرجك وناكل أحلى أكله ونشتري كل اللعب اللي نفسك فيها.. عشان أنت أنقذت ابن عمك من حفرة كانت هتبلع عمره."
أحمد حفيدي جالي وحضني وهو بيترعش، وقالي: "عندك حق يا تيتة، العكاز بتاعك ده هو اللي سندني النهاردة وشوفني الحقيقة."
قضينا بقية الليلة في ضحك وهزار مع قرايبنا اللي بيحبونا بجد، والمزيكا اشتغلت من تاني بس المرة دي كانت "فرحة حقيقية" بإننا كشفنا المستور قبل ما الفاس تقع في الراس.
ومن يومها، وبقى ياسين هو حبيبي المخلص، ونيرمين وكابتن ميمو بقوا حكاية بيضحك عليها أهل المنطقة كلهم في قعدات السمر!