يوم ما سابوني في الجامع.. واليوم اللي رجعوا فيه

لمحة نيوز

​

​لما كان عندي 4 سنين، أمي قعدتني على دكة جوه جامع السيدة زينب وقالت لي: "خليكي هنا.. ربنا هيتولاكي". وبعدين لفت ووشها منور بابتسامة، وماسكة في إيد بابا وأختي الكبيرة، ومشوا. كنت مذهولة لدرجة إني حتى مابكيتش.. فضلت قاعدة مكاني بتفرج عليهم وهما بيسيبوني وراهم. بعد عشرين سنة، دخلوا نفس الجامع، وبصوا في وشي وقالوا: "إحنا أهلك.. وجينا عشان نرجعك بيتك!"

​أنا لسه فاكرة شكل صندلي "الورنيش" وهو مدلدل من على الدكة ورجلي مابتلمسش الأرض، وأمي بتوطي تعدل لي لياقة الفستان "الكاروهات" بحنية مرعبة. همست في ودني وصوتها كان هادي زي النسمة: "خليكي هنا يا حبيبتي.. ربنا هو اللي هياخد باله منك دلوقت."

​وبعدين قامت ومشت مع بابا وأختي الكبيرة. كانوا ماشيين زي الكتلة الواحدة، سابوني أنا "الزيادة" اللي ملهاش لزمة. باب الجامع الكبير اتقفل، وخد معاه آخر ضوء لأهلي في حياتي. ومع غياب الشمس، عرفت الحقيقة المرة: ربنا مش بيكلمنا مباشرة، وأمي كانت كدابة.

​اختفوا ومسابوش وراهم أثر، لا ورقة ولا حتى اسم، عشان يضمنوا إن أي محاولة لتدوير عليهم تنتهي في سد. بقيت "خيال" قبل حتى ما أتعلم أربط كوتشيَّ بنفسي.

​بس أنا ممتش في وسط الركام ده. أنقذتني "الست أمينة"، أرملة كانت إيدها خشنة من كتر الشغل في الخياطة طول عمرها. هي اللي علمتني إن "الأهل" ده فعل بنعمله، مش مجرد اسم بنتولد بيه.

​لما بقيت 24 سنة، كنت بنيت لنفسي حياة وليا قيمة، وبقيت المسؤولة عن المساعدات في نفس الجامع اللي اتصدمت فيه وأنا صغيرة. كنت فاكرة إني دفنت ذكرى البنت اللي كان عندها 4 سنين دي للأبد، لحد يوم الخميس "المطير" في شهر طوبة.

​الباب الخشبي التقيل اتفتح.. صوت التزييق بتاع الباب صحّى جوايا وجع مكنتش أعرف إنه لسه موجود. تلات أشخاص داخلين من الممر. كانوا كبروا، وملامحهم هبطت بفعل السن، بس مشيتهم كانت واضحة وما تتنسيش. "الثلاثي" رجع تاني.

​أمي وقفت في نفس النقطة اللي سابتني فيها من عشرين سنة. بصت لي وعينها اتملت دموع كانت باينة أوي إنها "متمثلة" ومتحضرة قدام المرايا. اتكلمت وصوتها بيترعش بلهفة مرعبة وكأنها مسبتنيش لحظة:

​"إحنا أهلك يا بنتي.. وجينا عشان نرجعك بيتنا."

​في ثانية واحدة، الجامع كله اختفى من قدام عيني.

رجعت بنت عندها 4 سنين تاني.

صغيرة.. متجمدة.. بتفرج على الناس اللي رمتني وهما بيقرروا بكل بساطة إني لسه ملكهم.

​بس فجأة، صوت "الست أمينة" رن في ودني زي إيد بتطبطب على كتفي:

"يا بنتي، في ناس مابيرجعوش عشان بيحبوكي.. دول بيرجعوا عشان محتاجين منك حاجة."

​وأنا بصلهم وهما واقفين قدامي عند الباب، عرفت وقتها بمنتهى التأكد.. إنهم أكيد محتاجين مصلحة دلوقت.

​​فضلت واقفة مكاني، النفس داخل خارج بالعافية، وصوت دقات قلبي كان مسموع في هدوء الجامع. السكوت اللي كان بيننا مكنش سكوت عادي، ده كان جبل من التلج والوجع بيتبني في النص.

​أمي قربت خطوة، وكانت لسه بتعيط بنفس الطريقة الدرامية، ومدت إيدها تحاول تلمس وشي. رجعت خطوة لورا وكأني لمست نار.

  • ​أنا: "أهل مين؟ وبيوت إيه اللي راجعة تأخديني ليها؟ أنتم دخلتم هنا غلط يا ست أنتي.. المكان ده للناس اللي محتاجة مساعدة، مش للناس اللي بتضيع عيالها."
  • ​أبويا (بصوت واطي ومكسور): "يا بنتي إحنا غلطنا، والدنيا دارت بينا وجينا نستسمحك. إحنا كبرنا وبقينا لوحدنا.."

​ضحكت ضحكة وجع، ضحكة صدمت المسجد كله.

  • ​أنا: "لوحدكم؟ دلوقت افتكرتم إنكم لوحدكم؟ طيب والبنت اللي كان عندها 4 سنين وسيبتوها "لوحدها" مع دكة خشب وجدران باردة؟ هي مكنتش "لوحدها" وقتها؟"

​المصلحة ظهرت (السم في العسل)

​أختي الكبيرة "هند"، اللي كانت واقفة بعيد بشنطة براند ولابسة دهب كتير، قربت وبصت لي بلهجة فيها شوية تعالٍ:

  • ​هند: "بصي يا "ليلى".. بلاش دراما دلوقت. بابا تعبان ومحتاج عملية زراعة فص كبد، والتحاليل أثبتت إني أنا وماما لا نصلح. أنتي الأمل الوحيد اللي فاضل لينا.. وبعدين دي فرصة نصلح اللي فات ونلم شمل العيلة من تاني."

​في اللحظة دي، الجبل اللي كان في النص انهار، بس مش بالحب.. انهار بالحقيقة البشعة. هما مكنوش بيدوروا على "بنتهم"، هما كانوا بيدوروا على "قطع غيار".

​الرد اللي مكنوش يتوقعوه

​بصيت لأمي اللي كانت بتدعي الحنية، ولبابا اللي جاي يطلب عمره من بنت رماها للمجهول، ولهند اللي جاية تخلص مصلحة.

  • ​أنا: "يعني أنتم مجيتوش عشان "ليلى"؟ أنتم جيتوا عشان "الكبد" بتاع ليلى؟ 20 سنة مسألتوش فيا، 20 سنة الست أمينة الخياطة كانت هي اللي بتأكلني وتلبسني وتعلمني من تعب إيدها وشقاها، وعمرها ما طلبت مني حاجة.. وأنتم جايين دلوقت تطلبوا "حياتي"؟"
  • ​أمي (بصراخ): "يا بنتي ده أبوكي! حرام عليكي تسيبيه يموت!"
  • ​أنا: "الحرام هو اللي أنتم عملتوه فيا.. الحرام إنكم استأمنتم الجامع عليا وهربتم، ودلوقت جايين تطلبوا مني أستأمنكم على روحي وجسمي؟"

​النهاية.. الحق يرجع لأصحابه

​طلعت من جيب شنتطي بطاقة هويتي، ووريتها لهم.

  • ​أنا: "شايفين الاسم ده؟ أنا مابقاش اسمي ليلى فلان.. الست أمينة لما ملقتش حد يسأل فيا، فضلت ورا الورق والقانون لحد ما بقت هي الوصية عليا، وأنا دلوقت شايلة اسمها بقلبي قبل الورق. أنا معنديش أهل غير الست الغلبانة اللي قاعدة في بيتها دلوقت مستنياني أرجعلها بالعيش والسكر."

​ناديتبصوت عالي على أمن الجامع:

  • ​أنا: "يا عم إبراهيم، لو سمحت خرج الناس دي بره.. ممنوع أي حد يضايق الموظفين هنا."

​خرجوا وهما بيجروا أذيال الخيبة. "هند" كانت بتشتم، و"أمي" كانت بتعيط بجد المرة دي بس من الخوف على جوزها، مش عليا.

​رجعت لبيتي الصغير، البيت اللي ريحته قماش وخيوط ودفا. شفت الست أمينة قاعدة على مكنة الخياطة القديمة، وشها منور برضا حقيقي.

  • ​أمينة: "تأخرتي ليه يا بنتي؟ قلقتيني عليكي."
  • ​أنا (ارتميت في حضنها): "مفيش يا ست الكل.. كان في ناس تايهة وسألوني على الطريق، ووصفته لهم."

​الدرس الحقيقي:

الأهل مش اللي خلفوا ورموا.. الأهل هما اللي شالوا وبنوا. والحياة سلف ودين، واللي بيزرع شوك، مبيحصدش غير جرح إيده لما يكبر.

​تمت.

تم نسخ الرابط