في فرح أخويا، حماتي زعقت فيا وقالتلي: "يا رب ما ترجعي تاني
في فرح أخويا، حماتي زعقت فيا وقالتلي: "يا رب ما ترجعي تاني، ابعدي عن حياة ابني عشان يعرف يعيش ويرتاح". أنا أخدت كلامها بجد، واختفيت تمامًا من حياتهم. وبعد كام يوم، لما عرفت قيمتي بجد وعرفت أنا مين، كلمتني وهي مرعوبة وبتقولي: "أرجوكي ارجعي، أنا كنت بهزر!"
لحد دلوقتي لسه فاكرة صوت عجل الشنطة بتاعتي وهو بيخبط في الرصيف الصبح في "ميدويست" بأمريكا.. الصوت كان عالي أوي على وداع مكنش المفروض يحصل أصلًا. كان عندي 53 سنة.. متجوزة بقالي أكتر من تلاتين سنة، وعايشة في بيت حمايا وحماتي.. ورغم كل ده، فجأة حسيت إني خفيفة وروحي ردت فيا أكتر من أي وقت فات.
ليلة فرح أخويا الصغير، لميت شنطتي في هدوء. حجزت الفندق، وأخدت أجازة من الشغل، وحتى طبخت أكل يكفيهم أسبوع عشان محدش يشتكي وأنا مش موجودة.
في اللحظة دي هي قالت جملتها.. حماتي بصتلي باحتقار وقالت: "ما ترجعيش تاني.. وبالمرة اطلبي الطلاق، واختفي خالص من حياة ابني".
ما جادلتش.. ما عيطتش.. كل اللي عملته إني ابتسمت بهدوء وقلت لها: "حاضر، اللي تشوفيه".
هي افتكرت إني بتريق، أو إني ضعيفة وهكسر الشر وبكرة هرجع كالعادة.. بس لأول مرة، مارجعتش.
في فرح أخويا في "ميشيجان"، وسط ناس بجد عايزيني وحابين وجودي، وقعت على قرار مصيري.. حماتي مكنتش تعرف إن خروجي من البيت ده مكنش مجرد فورة غضب، ده كان تخطيط وترتيب وقرار ملوش رجعة.
لما مرجعتش بعد الفرح.. لما البيت بقى ساكت ومطفي.. لما الفلوس والرعاية والاستقرار اختفوا باختفائي.. وقتها بس بدأت التليفونات ترن.
في الأول كان تليفون كله عصبية، بعدين بقى فيه حيرة، وفي الآخر قلبت بلهفة ومذلة.. قالتلي: "أرجوكي ارجعي، مكنش قصدي، كنت بهزر معاكي".
بس وقتها، كانت خلاص عرفت أنا مين بجد.. عرفت أنا كنت شايلة إيه وعاملة إيه، وإيه اللي ضاع منها في اللحظة اللي أنا نفذت فيها كلامها وسمعت نصيحتها.
يا ترى ليه غيابي شقلب حال البيت كله؟ وإيه الحقيقة اللي حمايا اعترف بيها لما مشيت؟ وليه الست اللي طردتني انتهى بيها الحال وهي بتترجاني وبتبوس إيدي عشان أرجع.. بس بعد فوات الأوان؟
بعد ما حماتي قالت كلمتها "ما ترجعيش"، قفلت شنطتي وخرجت. في الطيارة لولاية ميشيجان، كنت ببص من الشباك للسحاب وأنا بسأل نفسي: "يا ترى هما عارفين يعني إيه 30 سنة؟". 30 سنة كنت أنا اللي بدفع الفواتير من شغلي، أنا اللي بفتكر مواعيد دوا السكر لحمايا، أنا اللي بملى التلاجة، وأنا اللي بصلح أي كسر بيحصل في البيت، سواء كسر في الحيطة أو كسر في الخواطر.
وصلت الفرح، كان فرح أخويا "سيف". لما شافني، حضني حضن طويل وكأنه حس إن الضحكة اللي على وشي وراها حمل جبال. في وسط الزفة والأنوار، طلعت ورقة وقلم في أوضتي في الفندق، وكتبت "الاستقالة" من كل حاجة. استقالة من دور "الخادمة المطيعة" اللي كانت بتعمل كل ده في صمت.
اللي حماتي مكنتش تعرفه:
إن البيت اللي هما عايشين فيه، أنا اللي كنت بجدد عقده وبدفع أقساطه من حسابي الخاص اللي محدش يعرف عنه حاجة. زوجي "سامح" كان راجل طيب، بس كان "ابن أمه" لدرجة المرض. كان بيسلمها مرتبه وهي اللي كانت بتتحكم في كل مليم، بينما أنا كنت بصرف على البيت من شغلي في المحاماة والترجمة، وعمر ما حد فيهم سألني: "بتجيبي الفلوس دي منين؟". كانوا فاكرين إن الدنيا ماشية بـ "البركة".
أول يوم بعد الفرح:
في البيت هناك، بدأت الكارثة. حماتي صحيت الصبح، ملقتش الفطار جاهز. ندهت عليا بصوتها العالي: "يا هند! الشاي فين؟". مفيش رد. دخلت المطبخ ملقتش غير المواعين اللي هما وسخوها بعد ما أنا مشيت.
حمايا صحي، ملقاش "الروشتة" بتاعته، ولا لقى هدومه المكوية. "سامح" جوزي صحي عشان يروح الشغل، ملقاش مفاتيحه ولا لقى الغدا اللي بياخده معاه.
بدأ التوتر يزيد. حماتي قالتلهم ببرود: "سيبوها.. دي يومين وهتيجي تبوس رجلي عشان تدخل البيت تاني، الست ملهاش غير بيت جوزها، وهي كبرت ومحدش هيقبل بيها".
اليوم التالت.. الانهيار الحقيقي:
جت رسالة لـ "سامح" على تليفونه. كانت رسالة من البنك.. الحساب المشترك اللي كان "بيغذي" مصاريف البيت الفارهة، اتقفل.
وبعدها بساعة، خبط محامي على الباب. حمايا فتح وهو مستغرب، المحامي قاله: "يا فندم، أنا جاي أبلغكم إن مدام هند رفعت قضية (تمكين) من شقتها الخاصة، وإن العقد اللي هما عايشين فيه انتهى، والمالك (اللي هو أنا) مش هيجدد".
هنا الصدمة لجمت الكل. حمايا صرخ في حماتي: "انتي قلتي لها إيه؟".
قالتله وهي بتترعش: "قلتلها غوري ما ترجعيش.. كنت بكسر مناخيرها بس!".
رد حمايا بوجع: "انتي كسرتي بيتنا يا هانم. انتي متعرفيش إن هند هي اللي كانت بتدفع مصاريف علاج قلبي؟ انتي متعرفيش إن القرض اللي سامح خده عشان شركته، هي اللي كانت بتسدده من وراه عشان ما يتحبسش؟".
المواجهة:
بدأت الاتصالات. سامح كلمني وهو بيبكي: "هند، ارجعي، البيت ضاع، أمي تعبانة، أنا مش عارف أعمل أي حاجة من غيرك".
قلتله ببرود غريب عليا: "أنا بقالي 30 سنة برتب لك حياتك، جرب ترتب أسبوع واحد لنفسك".
بعدها حماتي كلمتني. صوتها كان مكسور، مفيش فيه النبرة المتعالية دي. "يا بنتي.. أنا كنت بهزر، انتي عارفة قلبي أبيض.. ارجعي والبيت بيتك".
رديت عليها: "الهزار ده دفعني تمنه 30 سنة من عمري. انتي مكنتيش بتكرهيني يا حماتي، انتي كنتي بتكرهي إنك محتاجة لي. كنتي بتكرهي إن البيت ده واقف على رجله بسببي أنا، مش بسبب تربيتك لابنك".
النهاية:
أنا دلوقتي عندي 53 سنة، بدأت حياة جديدة في شقة صغيرة على البحر. بقرأ الكتب اللي كان ممنوع أقرأها عشان "ما أضيعش وقتي عن خدمة البيت". بصحي الصبح أشرب قهوتي في هدوء، وبسمع صوت الموج بدل صوت الزعيق والطلبات اللي ما بتخلصش.
حمايا اعترف في الآخر إن "هند مكنتش مجرد زوجة، دي كانت الروح اللي شايلة الجسد ده".
وحماتي؟ حماتي لسه بتبعت رسايل كل يوم، بس أنا خلاص، قفلت الشنطة، ورميت المفتاح في المحيط، والمرة دي.. العجل بتاع الشنطة مكنش صوته مزعج، كان صوته زي الموسيقى اللي بتعلن بداية الحرية.
البيوت مش حيطان، البيوت ناس بتشيل ناس. ولما اللي بيشيل بيقرر يحط الحمل ويمشي، اللي كان متشال لازم يتعلم يمشي على رجله.. أو يقع، وهما اختاروا الوقوع.