لعبه القدر
ليلى كانت قاعدة على الكنبة في الشقة الصغيرة التي خصصتها لها حماتها، قلبها مليان حيرة وحزن، وكانت عيونها تتنقل بين الجدران والستائر، تحاول تفهم السبب اللي خلا زوجها كريم يتغير فجأة معها. الأيام الأخيرة كانت غريبة؛ مصروف البيت قل والنصيب من الكلام اللي كان بينهم اختفى تمامًا، وكل محاولة لكريم للحديث عن أي مشكلة كانت تنتهي بمجهول، أو بتجاهل بارد. ليلى كانت حاسة إن قلبها تقيل، وإن عقلها مليان أسئلة من غير أجوبة، وكل مرة تحاول تقرّب منه وتفهمه كانت تواجه جدار صمت أو أعذار غريبة.
في إحدى الأمسيات، بينما كانت ليلى تغوص في التفكير، سمعت طرق الباب. قلبها خفق بسرعة، حاولت تهدأ وتفتح الباب، لتجد حماتها واقفة بابتسامة هادئة، لكن عيونها كانت مليانة جديّة وحزم. نادت عليها بصوت دافئ لكنه جاد: “تعالي يا ليلى، لازم أقولك حاجة مهمة.”
ردت ليلى بارتباك: “ايه يا حاجة؟ في إيه؟”
دخلت حماتها الشقة وهي تتنهد، وجلست بجانبها وقالت بصوت حنون لكنه مليان صراحة: “بصّي يا حبيبتي… أنا مش عايزة تزعلِي أو تحسي بالخيانة، بس لازم تعرفي الحقيقة. كريم… قلبه لسه متعلق بهند. الحب القديم مش راح، لما سافرت… هو كان متضايق ومكسور، وانتِ كنتي مجرد ‘جسر’ يهون عليه وجع قلبه. دلوقتي رجعت، وهو قرر يكون معاها.”
ليلى صمتت، عينها اتسعت، الدموع كادت تنزل، وقالت بصوت متلعثم: “يعني… يعني كل ده كان لعبة؟ أنا كنت مجرد… مجرد وسيلة تنسى وجع قلبه؟”
اقتربت منها حماتها، وضمت يدها وقالت بنبرة هادئة: “مش لعبة… قلبه تعب وماكنش يعرف يواجه نفسه. هو ما يعرفش يقولك، بس ده الواقع. دلوقتي هو هيسكن معاها، وانتِ… ليك الحرية تقرري، تحافظي على كرامتك وتكملي حياتك هنا براحتك.”
ليلى وقفت مكانها، شعرت وكأن الأرض انزلقت تحتها، قلبها تقيل ودماغها مليانة صدمة، مش عارفة تتحرك. كانت كل الأيام اللي عاشتها مع كريم، كل الضحكات، كل الكلام اللي اتقال بينهما، بيعدي قدام عنيها كأنها حلم. فجأة فتح الباب، ودخل كريم ماسك يد هند بحنية واضحة، عينيه عليها لم تنزل لحظة، وابتسامة رضا عميقة على وجهه. قال كريم بفرحة وحب ظاهر: “تعالي يا حبيبتي… دي ليلى، ست البيت اللي هتساعدنا، وهي زي أختك كده.”
ليلى نظرت لهند بنظرة باردة، حاولت التحكم في دموعها، بينما ابتسمت هند بابتسامة هادية ونبرة ودية وقالت: “أهلاً يا ليلى… سعيده إني أشوفك، كريم حكالي عنك كتير. ما تقلقيش، إحنا كلنا هنا عشان نكون حبايب، ومفيش مكان للغيرة.”
ليلى ردت بنبرة هادئة لكنها مليانة تحدي: “تمام… حاضر. هعمل اللي عليا، بس عايزه تعرفي… قلبي مش هينسى بسهولة.”
ابتسمت هند بخفة، وكأنها تفهم معنى الكلام، وقالت: “أنا فاهمة… ومقدرلك مشاعرك. لكن خلينا نكون صرحاء ونحترم بعض.”
بعد فترة، في المطبخ، كانت ليلى تحضر الشاي، وهند تحاول تساعد، لكن كل مرة تقع في موقف مضحك أو تكسر حاجة صغيرة، ليلى قالت ضاحكة: “خدي بالك… الشاي مش لعبة، لا يقع على الأرض تاني.”
ضحكت هند وقالت: “آه… آسفة… أنا مش متعودة على مطبخ بيت ناس تانيين.”
دخل كريم، شاهد الموقف وابتسم، لكنه كان قلبه متعلق بهند، وقال بسخرية خفيفة: “شايفين؟ ليلى دي مديرة المطبخ، وأنا مجرد مشاهد.”
ردت ليلى بابتسامة مريرة: “مشاهد؟ طب أكيد كمان الحكم!”
الجو كان فيه كوميديا بسيطة، لكن التوتر واضح تحت السطح بين الثلاثة.
فيما بعد، جلست ليلى على الكنبة تفكر في الأيام اللي كانت فيها مع كريم، شافت صور ورسائل كتير، وقالت لنفسها بصوت خافت: “أيامنا كانت حقيقية… ولا أنا كنت بغلط؟ مش قادره أفهم… كل حاجة اتغيرت… هو فعلاً قلبه بعيد عني.”
دخلت هند بهدوء وقالت بصراحة: “ليلى… أنا مش هنا علشان آخد مكانك… أنا مجرد الشخص اللي كريم حبه من زمان، وانتِ… انتِ ست طيبة ومهمة كده كأخت لي.”
نهضت ليلى وقالت بصوت عميق: “طب كويس… على الأقل عندك صراحة… مش هتكذبي زي كتير من الناس.”
كان الجو فيه الاحترام بين الاثنين، لكن تحت سطحه توتر كبير. ليلى كانت حاسة بمزيج من الغضب والحزن والحرج، لكنها حاولت تتحكم في نفسها.
في شرفة الشقة، واجهت ليلى كريم وقالت بحزم: “كريم… أنا مش عايزة أعيش في كذب. لو قلبك مش معايا… قول بصراحة.”
حاول كريم الرد بحزن واضح: “ليلى… أنا عارف إني ظلمتك… بس قلبي… قلبي عمره ما نسيها. إنتِ طيبة وأنيقة، بس مش حبيت غيرها… أنا آسف.”
ليلى ردهت بعيون مليانة دموع وبنبرة قوية: “تمام… يبقى أنا كده خلاص… هتمشي حياتي من غيرك… بس عايزه تحس باللي حسيته، وجعلتني أكتشف مين أنا.”
تأثر كريم ومش قادر يرد، بينما دخلت ليلى غرفتها، رتبت شقتها، وقررت تعيش حياتها بكرامة. قالت لنفسها: “هو قلبه راح… بس أنا… أنا لسه موجودة… لسه عندي حياتي وكرامتي. مين قال إن الشخص اللي يحبك القديم لازم يحدد مستقبلك؟ أنا لي… أنا قوية، وهكمل حياتي.”
خرجت من الغرفة، راحت للمطبخ تحضر قهوة لهم بابتسامة هادئة، مستعدة تتعامل مع الموقف بنضج. قالت هند بابتسامة: “شكراً ليكى يا ليلى… إنتِ فعلاً ست رائعة، ومش هنسى ده أبداً.”
ابتسمت ليلى رقيقة وقالت: “العفو… بس عايزه تعرفي… الحياة قصيرة، الكرامة أهم.”
مرت الأيام، وبدأت ليلى تهتم بنفسها أكتر، ترتب شقتها، وتخصص وقت لنفسها. كانت تخرج أحيانًا لوحدها، تزور صديقاتها، وتشارك في أنشطة صغيرة، وكل مرة تحس فيها بقيمتها، كانت تبتسم لنفسها. مشاعرها تجاه كريم كانت مختلطة، لكنها قررت ما تترك حد يتحكم في كرامتها أو يحدد حياتها.
هند لاحظت التغير في ليلى، وقالت لها بصراحة: “بصراحة… أنا معجبة بيكي، ليلى. رغم كل حاجة… قدرتي تحافظي على نفسك وكرامتك.”
ليلى ابتسمت وقالت: “أنا مش بعمل ده عشان حد، ده عشان نفسي… لازم كل واحدة تعرف قيمتها.”
كريم لاحظ العلاقة اللي بدأت تتشكل بين ليلى وهند، وقال لنفسه بصوت خافت: “هما فعلاً حقيقيين… وأنا ضيعت كتير من وقتي، وده جزئي من العقاب لنفسي.”
وبمرور الوقت، بدأت الحياة في الشقة تتحسن، ليلى وهند اتعلموا يتعايشوا مع الموقف، كريم حاول يتوازن بين حبه القديم ومسؤولياته تجاه الجميع، لكن ليلى بقيت رمز للقوة والكرامة، وكل مرة كانت تتذكر الماضي، كانت تبتسم لنفسها: “أنا نجوت… وده أهم حاجة.”