سر الحيطه والكلب حكايات ليان
من بعد ما فقد الكلب حاسة السمع، بقى هادي جدًا.
لا بيسمع جرس الباب، ولا صوت العربية، ولا حتى نداء صاحبته.
لكن الغريب إنه كل ليلة، وفي نفس المعاد تقريبًا، كان يقوم من مكانه ويمشي ناحية حائط الصالة.
يقف قدامه…
#حكايات_ليان
ويبص له فترة طويلة.
وبعدين يبدأ ينبح.
صاحبته في الأول افتكرته بيتخيل حاجات بسبب سنه، فكانت تنده عليه وترجعه مكانه.
لكن الكلب كان يرجع للحائط تاني.
كل ليلة.
نفس المكان.
نفس الوقت.
لحد ما في ليلة، فضلت واقفة تراقبه بدل ما ترجعه.
الكلب قرب من الحائط، وحط أنفه عليه، وبدأ يخربش في نقطة معينة.
وقتها الست قربت.
خبطت على الحائط…
الصوت كان مختلف.
جابت حد يكسر الجزء ده.
ومع أول طوبة اتشالت، ظهر فراغ ضيق جوه الحائط.
الكلب بدأ ينبح بعنف، رغم إنه أصلًا مش بيسمع.
الست بصت جوه الفراغ…
واتجمدت مكانها.
لأن اللي كان موجود جوه الحائط ما كانش حاجة ضايعة ولا حيوان مستخبي… كان سرًا مدفونًا من سنين، والكلب كان الوحيد اللي حاسس بوجوده.
سر الحائط والكلب الذي لا يسمع
من بعد ما فقد الكلب حاسة السمع، بقى هادي جدًا. لا بيسمع جرس الباب، ولا صوت العربية، ولا حتى نداء صاحبته. كان اسمه «بطل»، وكما اسمه عليه، كان طول عمره كلبًا وفيًا، قوي القلب، ما يتراجع عن شيء أبدًا. لكن السنين أخذت منه حاجات كتير: أولًا بصره ضعف، وبعدين سمعه راح تمامًا. صاحبته «ست عزيزة» كانت تعتبره ابنها التاني، بعد ما كبر أولادها وسافروا، وراح زوجها «حسين من زمانٍ طويلٍ، وبقيت هي وبطل في البيت الكبير ده وحدهما.
كانت تقول له: «يا بطل، أنا وأنت بقينا رفاق العمر، ما لنا غير بعض». وكان يهتز ذيله ببطء، ويحط راسه على رجلها، وكأنه يفهم كل كلمة بتقولها، حتى لو ما سمعهاش.
لكن الغريب إنه كل ليلة، وفي نفس المعاد تقريبًا — الساعة واحدة بعد منتصف الليل بالظبط — كان يقوم من مكانه، ويمشي ببطء وتثبات ناحية حائط الصالة الكبير. الحائط ده كان في الجهة اللي كانت تطل على الحديقة القديمة، وحوله أثاث قديم ما حدش بيستعمله، وكنتِ تشوفيه مهملًا، ما فيه شيء يلفت النظر أبدًا.
يقف قدامه… يبص له فترة طويلة، وكأنه بيتكلم معاه، أو بيتذكر حكاية قديمة مدفونة جواه. وبعدين يبدأ ينبح. نبحًا هادئًا في الأول، ثم يعلو شويه شويه، ويبقى مستمرًا لدقائق، لحد ما يهدأ شويه ويرجع ينبح تاني.
ست عزيزة في الأول افتكرته بيتخيل حاجات بسبب سنه، وكبره، وقلّة سمعه. فكانت تنده عليه بصوت عالي، وتقول له: «يا بطل، تعال يا حبيبي، ما فيه حاجة، تعال ننام مكاننا». وتاخده وترجعه لفرشته جنب سريرها. لكن بعد شويه، تجده قام ورجع للحائط تاني. كل ليلة. نفس المكان. نفس الوقت. بلا استثناء.
مرّت شهور على الحال ده، وقلوبها بدأت تتقطع منه، وتحيرت أمرها كتير. قالت لجارتها يومًا: «ما أدري إيه بالرجل ده! كل ليلة يعيد نفس الحكاية! قلبي بيوجعني وأنا شايفاه كده، حاسّة إنه حاسّ حاجة مش قادرة أفهمها». الجارة هزّت راسها وقالت: «يا ستي، الكلاب أرواحها غريبة، بتشوف وبتحس حاجات ما نحسّها إحنا. ربما فيه حاجة قديمة في البيت ده هو شايفها».
كلام الجارة راح وجا في بالها كتير، لحد ما قررت في ليلة من الليالي — لما قامت الساعة واحدة زي العادة — ما تندهوش، وما ترجعهوش، بل تفضل واقفة تراقبه بدل ما تفعل شيء.
جلست على كرسي في الظل، بعيدًا شويه، وعينها ما فارقته. شافتة قرب من الحائط خطوة خطوة، وحط أنفه عليه ببطء، كأنه بيشمّه، بيتأكد من مكانه بالظبط. وبعدين بدأ يخربش في نقطة معينة في نص الحائط، على ارتفاع متر ونص تقريبًا عن الأرض. مخاببه كانت بتضرب الطوب بخفّة في الأول، ثم بقيت أقوى وأسرع، وكأنه بيقول لها: «هنا! هنا بالظبط! شوفي إيه جوه!»
قلوبها خفقت بقوة، وقامت من مكانها بخطوات بطيئة مترددة، وقربت منه. لما وصلت للحائط، مدّت يدها وخبطت عليه بخفّة في نفس النقطة اللي كان بيلمسها.
الصوت كان مختلف. ما كانش صوت حائط صلب متين زي باقي الحيطان. كان صوتًا أجوف، فارغ من جوه.
ارتجفت يدها، وابتدت عيناها تدمع من الخوف والفضول مع بعض. قالت لنفسها: «إيه ده؟ إيه اللي يمكن يكون جوه؟ حسين كان بيعمل حاجة ما أعرفها؟ ولا إيه؟»
ما استنارتش، وراحت جابت مطرقة ومسمار قديم، وبدأت تجرّب في المكان ده. كل ما تخبط، يطلع الصوت أجوف وأوضح. اتأكدت إن وراء الطوب ده فراغ، ومكان ما حدش يعرف بوجوده.
بقت مترددة يوم كامل، تفكر تعمل إيه. تسيب الحال زي ما هو؟ ولا تكسر وتشوف؟ وفي النهاية قالت: «بطل ما كان يفعل كده عبثًا. فيه حاجة، ولازم أعرف إيه هي».
جابت ابن خالتها «كمال» اللي كان شغّال بنّاء، وطلبت منه يجي يكسر الجزء الصغير ده من الحائط. لما سألتها عن السبب، قالت له: «حاسّة إن فيه تسريب ماء وراء الحائط، عايزة نتأكد». ما حبتش تحكي له الحكاية من الأول، خافت يضحك عليها، أو يقول لها كبرتِ واتخرفتِ.
لما جاء كمال بالعتلة والمطرقة، وقف بجانب الحائط وقال: «خافي يا ستي، هنكسر جزء صغير بس، ونشوف».
مع أول طوبة اتشالت، ظهر فراغ ضيق عميق جوه الحائط، بالظبط قدام المكان اللي كان بطل يقف فيه كل ليلة. الهواء اللي طلع من جوه كان قديمًا، برائحة الغبار والسنين المتراكمة.
بطل بدأ ينبح بعنف، رغم إنه أصلًا مش بيسمع صوت نباحه ولا صوت شيء. عيناه كانت لامعة، وكل جسمه كان يرتجف من الإثارة والقلق مع بعض.