جوزى ضربنى بطبق قدام اهله عشان اتنازل عن شقتى
جوزى ضربني بطبق قدام أهله عشان أتنازل عن شقتي... لكن مكالمة واحدة دمرت كل خطتهم!"
"إزاي تجرؤي تقولي لأ لأمي يا ناكرة الجميل!"
صوت جوزي، كريم، وهو بيزعق بغضب، جه قبل ما أحس بالطبق السيراميك التقيل وهو بيتكسر جنب راسي بصوت دوّى في المكان كله.
السفرة كلها سكتت.
كان حوالي عشرين واحد من قرايبهم قاعدين حوالين الترابيزة الخشب الكبيرة جوه الفيلا الفخمة بتاعة أهل جوزي في التجمع. الكاسات الكريستال كانت بتلمع تحت النجفة الضخمة، والأطباق الغالية مالية السفرة، وكل تفصيلة في المكان كانت بتصرخ إن أصحاب البيت مقتنعين إن الفلوس بتخليهم أحسن من أي حد تاني.
اسمي ياسمين.
عندي أربعة وتلاتين سنة، وبشتغل مهندسة معمارية.
سنين من الشغل الإضافي، والسهر، والتوفير في كل جنيه، خلوني أقدر أشتري شقتي لوحدي في وسط القاهرة.
كل قسط اتدفع.
كل ورقة اتوقعت.
كل جنيه اتحط فيها.
كان من تعبي أنا.
بس الليلة دي، أهل جوزي كانوا بيتكلموا عن شقتي وكأنها بقت ملكهم بالفعل.
وأثناء العشا، حماتي، مدام فايزة، قالت بمنتهى البساطة إنها هتنقل تعيش في شقتي عشان طلوع السلم في بيتها بقى "مرهق جدًا" بالنسبة لها.
وساعتها حمايا كمل وكأنه بيعلن قرار رسمي:
"وياسمين كمان هتدفع ألفين وخمسمية جنيه كل شهر لمصاريف معيشة أمك. أقل واجب تعمله أي كنّة محترمة مع أهل جوزها."
بصيت لكريم.
أكيد هيرفض الكلام ده.
أكيد هيقولهم إن محدش يقدر ياخد حاجة مش بتاعته.
لكن بدل كده...
رفع كاس العصير بتاعه بهدوء وتصرف وكأنه مش شايفني أصلًا.
لمدة تقرب من عشرين دقيقة، كانوا بيرتبوا مستقبلي من غير ما حد فيهم يسألني سؤال واحد.
قرروا عفش حماتي هيتحط فين.
واختاروا الأوضة اللي هتبقى أوضتها.
وواحد منهم قال إن أنا وكريم نقدر ننقل لشقة أصغر عادي، لأن "العرايس الصغيرة مبتحتاجش مساحة كبيرة."
وفي الآخر...
اتكلمت.
"لأ."
صوتي كان هادي.
ما زعقتش.
ما اتخانقتش.
أنا بس رفضت.
حماتي بصتلي بصدمة.
"نعم؟"
قلت بهدوء:
"شقتي مش هتتنقل لحد، ومش هتتأجر لحد، ومش هتتباع أو تتسلم لأي شخص."
"وكمان مش هدفع ألفين وخمسمية جنيه كل شهر عشان قرار اتاخد من غير إذني."
كريم قام واقف مرة واحدة.
الكرسي عمل صوت عالي وهو بيحتك بالأرضية الخشب.
"إزاي تكسفيني قدام أهلي بالشكل ده؟!"
بصيتله وقلت:
"اللي بيكسف نفسه هو إنت."
الأربع كلمات دول كانوا كفاية يضيعوا آخر ذرة تحكم عنده.
من غير أي إنذار...
خطف طبق الأكل التقيل اللي قدامه ورماه ناحيتي بكل قوته.
ألم رهيب ضرب الناحية الشمال من راسي.
الطبق اتكسر.
قطع السيراميك اتناثرت على السفرة كلها.
ودافئ الدم بدأ ينزل وسط شعري وينزل على كتف البلوزة الحرير اللي كنت لابساها.
وداني كانت بتصفر.
ومحدش اتحرك.
ولا شخص واحد جري يساعدني.
ولا صوت واحد طلب من كريم يوقف.
واحدة من قرايبهم خدت عيالها وخرجت بهدوء.
حمايا فضل باصص في الكوباية اللي قدامه.
وحماتي لفت وشها الناحية التانية وكأن مفيش حاجة حصلت.
سندت نفسي على الترابيزة وأنا شايفة الدم بينزل على المفارش البيضا وسط الأكل المرمى وقطع الطبق المكسور.
وفي اللحظة دي...
كل حاجة بقت واضحة.
دي ما كانتش خناقة خرجت عن السيطرة.
دي كانت خطة.
العشا كله معمول مخصوص عشان يضغطوا عليا لحد ما أتنازل عن شقتي.
لو عيطت...
هيقولوا إني هستيرية.
لو زعقت...
هيطلعوني عدوانية ومش محترمة.
ولو استسلمت...
هياخدوا كل حاجة تعبت فيها طول عمري.
على الناحية التانية من الترابيزة، كان كريم واقف وبيتنفس بعنف، مقتنع إنه أخيرًا خوّفني وخلى عندي استعداد أسمع الكلام.
لكن بدل كده...
فردت ضهري بهدوء.
شلت قطعة السيراميك من وسط شعري.
ومسحت الدم اللي على خدي بالمنديل اللي قدامي.
وبعدين بصيتله في عينه مباشرة وقلت:
"إنت ما عندكش أي فكرة أنا أقدر أعمل إيه."
الأوضة كلها سكتت.
ووش حماتي اتغير في لحظة.
فتحت شنطتي وطلعت الموبايل.
كان عليه دم، لكنه لسه شغال.
اتصلت بالنجدة.
وردوا بسرعة.
قلت بهدوء:
"جوزي اعتدى عليا دلوقتي."
"ضربني في راسي بطبق سيراميك."
"وفي شهود كتير موجودين."
"أنا محتاجة عربية إسعاف وقوة شرطة تيجي فورًا."
ساعتها بس...
الكل اتحرك.
حماتي جريت ناحيتي والذعر مالي وشها.
"يا ياسمين بالله عليكي، ما تكبريش الموضوع. دي كانت لحظة عصبية، وكل العائلات بيحصل عندها مشاكل."
بصيتلها بثبات وقلت:
"لأ."
"دي جريمة اعتداء كاملة."
كريم قرب مني خطوة.
"اقفلي التليفون."
ما اتهزتش حتى.
وقلت بهدوء:
"خد خطوة كمان بس... وهقول للضابط إنك بتقرب مني دلوقتي."
قبل ما يتحرك تاني، مرات أخوه الصغير، ندى، وقفت بينا.
كانت الوحيدة في الأوضة كلها اللي عندها استعداد توقف قدامه.
قالت بحزم:
"كريم... ماتتحركش خطوة زيادة."
ولأول مرة الليلة دي...
اتردد.
موظف النجدة سألني إذا كان الشخص اللي اعتدى عليا لسه موجود في البيت.
بصيت لكريم مباشرة وقلت:
"أيوة."
"واقف قدامي دلوقتي."
بعد أقل من خمس دقايق...
جرس الفيلا رن.
لكن الصوت ما كانش عامل زي وصول حد...
كان عامل زي بداية كل حاجة العيلة دي قضت سنين وهي مقتنعة إنها عمرها ما هتحصل.
الجرس رن بصوت ثقيل، متكرر، وكأنه بيضرب على قلوب كل واحد فيهم في الأوضة. حماتي كانت بتتحرك كأنها عايزة تطير، وشها صار لونها أصفر زي الورق، ويدها بتترعش وهي بتقول بصوت مكسور: "يا ياسمين، استغفر الله العظيم، ما تخليناش نعيش في عار ده! عشان خاطري، عشان خاطر السنين اللي عشتوها مع بعض، اقفلي الموضوع دلوقتي ونرجع نتفاهم زي الناس."
بصيتلها بكل هدوء، والدم لسه بينزل ببطء من الجرح في راسي، وقولت: "التفاهم كان لازم يحصل من أول ما بدأتوا تتكلموا عن حاجة مش بتاعتكم. ده مش عارض، ده سرقة بتخططوا لها لها بكل برودة، واعتداء جسدي قدام شهود. مفيش رجعة في الكلام اللي قلتوه، ومفيش تنازل عن حقي."
حمايا كان واقف في مكانه، عينيه متسعة، ولسانه اتعقد ومش قادر ينطق ولا كلمة. هو طول عمره كان معتمد على كلامه القوي ومركزه في المجتمع، كان بيظن إن أي مشكلة تطلع بره باب الفيلا دي هي مستحيلة، وإن أي بنت تدخل بيتهم لازم تمشي على ركبتها وتوافق على كل ما يقولوه. لكن اللحظة دي، هو عرف إن اللعبة اتغيرت، وإن اللي كان بيعتبروه "ضعف" مني طلع صلابة ما كانش يتخيلها.
كريم كان واقف خلف أمه، وجهه محمر من الغضب والخوف مع بعض، ويده كانت متشنجة زي ما هو عايز يضرب حاجة أو حد. لما سمع الكلام ده، صرخ بصوت عالي: "أنتِ مجنونة؟ عايزة تفضحينا في كل حتة؟ عايزة كل الناس تتكلم فينا؟ أنا جوزك، ملكيش حق ترفع عليا قضايا!"
قبل ما أرد عليه، الباب اتفتح من بره، ودخل اتنين من رجال الشرطة، وراءهم عربية الإسعاف واقفة في الحديقة قدام الباب. أول ما دخلوا، الصوت سكت تمامًا، وكل العيون اتجهت ناحيتهم. أحد الضباط، وهو رجل في منتصف العمر، بملامح حازمة، سأل بصوت واضح: "مين اللي بلغ عن اعتداء جسدي هنا؟"
رفعت يدي ببطء، وقلت: "أنا، ياسمين أحمد عبد الحليم. زوجي كريم محمد السيد ضربني بطبق سيراميك على راسي قدام كل الحاضرين هنا، والدم لسه بينزل مني."
الضابط قرب مني شوي، شاف الدم على راسي وكتفي، وبص حوله على السفرة المكسورة والقطع المتناثرة، ثم سأل بصوت حازم: "الكلام ده صحيح؟"
محدش رد. حماتي كانت بتخفض عينها للأرض، وحمايا باصص في الحيطة، والباقي من القرايب كل واحد بيتنظر للناحية التانية وكأنه مش شايف ولا سامع حاجة. لما الضابط كرر السؤال، أخيرًا واحد من الرجال اللي كان قاعد في آخر السفرة همس بصوت خافت: "شوفنا الحادثة يا باشا، بس كانت غلطة لحظة، مش أكتر."
الضابط رد عليه بصرامة: "الاعتداء على أي إنسان، مهما كان السبب، ده جريمة، ومش غلطة لحظة. والشهادة اللي بتقولها هنا هي اللي هتكتب في المحضر، وكل واحد مسؤول عن كلامه قدام القانون."
في نفس الوقت، الممرضات دخلوا ومعاهم أدوات الإسعاف، وطلبوا مني أجلس عشان يفحصوا الجرح. أول ما لمسوا المنطقة، حسيت بألم حاد بيضربني، لكني صبرت، وعينى ما فارقتش كريم ولا أهله. كانت المرة الأولى اللي بيكونوا هم اللي خايفين، هم اللي مكسوفين، هم اللي مش عارفين يتصرفوا.
بينما كانوا بيعالجوني، سمعت الضابط بيسجل أقوال الحاضرين واحد واحد. كل واحد كان بيحاول يهرب من الإجابة، بيقول إنه مش شاف كويس، أو إن الحادثة حصلت بسرعة مش عارفين إزاي، لكن ندى، مرات أخ كريم الصغير، كانت واقفة بجانبي، ولما جاء دورها، تكلمت بكل شجاعة: "أنا شفت كل حاجة يا باشا. كريم هو اللي رمى الطبق على ياسمين من غير أي سبب يستاهل، وكل الكلام اللي اتقال قبل كده كان محاولة منهم ياخدوا شقتها غصب عنها."
كلامها كان زي الصاعقة على أهل البيت. حماتي بصتلها بصدمة وصرخت: "يا خسارة فيك يا ندى! إنتِ مننا وفينا، وتقولي كلام زي ده؟"
ندى ردت عليها بثبات: "أنا بقول الحقيقة بس يا طنط فايزة. الظلم ظلم، وده مش تصرف ناس محترمة. أنا كنت صابرة كتير على اللي بيعملوه مع ياسمين، وخلاص مفيش حد يقدر يسكت عن كده."
بعد ما خلصوا تسجيل الأقوال، الضابط جاء لي وقال: "الجرح مش خطير الحمد لله، لكن هنحتاج ناخدك معانا لقسم الشرطة عشان نكمل المحضر، وبعدين نروح نعمل تقرير طبي في المستشفى الرسمي، ده ضروري للقضية. والزوج المتهم هنقبض عليه دلوقتي وهناخده معانا للقسم كمان."
لما سمع كريم كده، اتجمد مكانه، ثم صرخ بكل قوته: "تقبضوا عليا؟ أنا ابن السيد السيد، صاحب شركة المقاولات الكبيرة! أنا بعرف الوزراء والنواب! مين اللي سمحلكم تتعاملوا معايا بالشكل ده؟"
الضابط ما تغيرش تعابير وجهه أبدًا، وقال بهدوء لكنه حازم جدًا: "القانون للكل يا سيدي، ولا فرق بين غني وفقير. لو عندك حجج أو معارف، تقدر تستخدمهم في الإطار القانوني الصح، لكن دلوقتي أنت متهم بجريمة، ومطلوب تيجي معانا."
ثم أشار للرجال معاه، فقاموا بقيادة كريم للخارج، وهو كان بيقاوم شوي، بيصيح ويتوعد، لكن محدش سمع له كلام. أهله كانوا واقفين مذهولين، مش عارفين يفعلوا حاجة، ولا حتى يستخدموا نفوذهم اللي كانوا بيتفاخروا به طول السنين.
في الطريق لقسم الشرطة، كنت جالسة في السيارة، ورأسي لسه بيوجعني، لكن قلبي كان مرتاح لأول مرة من شهور طويلة. كنت عارفة إن الطريق ده مش سهل، وإنهم هيحاولوا بكل الطرق يضغطوا عليا، يهددوني، أو يحاولوا يشتروا حقي، لكني كنت مستعدة لكل حاجة. وصلنا للقسم، وأكملنا الإجراءات، وعملت التقرير الطبي اللي أثبت وجود جرح قطعي في الرأس وكدمات، وإن الحالة تستحق متابعة طبية لمدة أسبوعين على الأقل.
بعد ما خلصت كل حاجة، كان الوقت قرب من الفجر، وطلعت من القسم لقيت صديقتي القديمة، سلوى، مستنيا لي. هي كانت أول حد اتصلت به بعد ما كلمت النجدة، لأنها عارفة كل حاجة عن تعبي في الشقة، وعن معاملة أهل كريم لي من أول يوم جوازنا. ركبت معاها، وطول الطريق كانت بتعزيني وبتقولي لي إنها معايا في كل خطوة، وإن الحق هيرجع لي مهما حصل.
رحت عندها في البيت، لأن كنت عارفة إن أهل كريم هيحاولوا يجيوا لي في بيتي، وإن المكان ده مش آمن لي دلوقتي. نمت شويه، لكن عقلي ما كانش بيوقف عن التفكير في كل اللي حصل، وكل اللي كان بيحصل من قبل. تذكرت أول ما اتقابلت أنا وكريم، كنت وقتها بشتغل في مشروع كبير، وهو كان مهندس جديد جاي يتدرب معانا. كان طيب الكلام، مهذب، بيقول لي إنه معجب بذكائي وبجديتي في الشغل، وإن بيحب البنت اللي تعتمد على نفسها. كنت أتمنى إن ده يكون حقيقي، لكن بعد الجواز، بدأت الحقيقة تظهر شويه شويه.
أهله كانوا بيعتبروا الشغل بتاعي مجرد "تسلية"، وإن المفروض أسيبه عشان أخدمهم واهتم بكريم فقط. كانوا بيطلبوا مني فلوس كتير تحت أي مسمى، وكل ما كنت أرفض طلب غير منطقي، كان كريم يزعل مني ويقول لي إني "قاسية القلب" و"مش باحترم أهله". ولما بدأت أجهز نفسي لشراء الشقة، كانت عيونهم كلها عليا، كانوا مستنيين اللحظة اللي أخلص فيها الدفعة الأخيرة عشان يبدؤا خطتهم. كانوا عارفين إن الشقة دي مش مجرد سكن، هي كل ما جمعته من تعب عشر سنين، هي ضمان مستقبلي لو حصل لي أي حاجة، وده اللي خليهم عايزين يسيطروا عليها بكل الطرق.
بعد يومين، بدأت محاولات الضغط تبدأ. أولًا، اتصلت بي حماتي، وكانت بتتكلم بصوت حزين ومتأثر، تقول لي إن كريم تعبان في الحبس، وإن قلبها مكسور، وإن لو رجعت عن المحضر، كل حاجة هتتحل، وهم هيعتبروا بنتي، ومحدش هيطلب مني حاجة تانية. لما رفضت، اتغير صوتها وصارت تهددني، تقول لي إنهم هيفضحوني، وإنهم هثبتوا إن الشقة أصلا بفلوس كريم، وإنني مش هعرف أخرج من القضية دي بأي شكل.
بعد كده، جالي محامٍ كبير معينهم، جاب معاه أوراق مزعومة بيقول فيها إن كريم هو اللي كان بيدفع لي قسط الشقة شهريًا، وإن الفلوس اللي كنت بادفعها كانت من مساعداته لي. طلب مني أتنازل مقابل مبلغ مالي كبير، وإن ما كانش هيكفيه، لكنه "واجب منهم لي كزوجة لسنوات". ضحكت من كلامه، وقلت له: "كل الأوراق اللي معاكم مزورة، وكل دفعة دفعتها ليها إيصال من البنك، وكل جنيه جابته من تعبي في الشغل عندي إثباتات كاملة. لو عايزين نروح للمحكمة، فخلينا نروح، ونشوف مين اللي الحق معاه."
وما كنتش عارفة إن عندي ورقة تانية كانت أقوى من كل ده، وإنها كانت سر لم أتوقعه أبدًا. بعد أسبوع من الحادثة، جالي اتصال من محامٍ قديم كان بيشتغل مع والدي الله يرحمه، قال لي عنده أوراق مهمة لازم أشوفها. قابلته، فأعطاني ملف قديم، وقل لي إن والدي قبل ما يموت كان عنده خوف من أي محاولة لسرقة حقي، فسجل كل التحويلات والشهادات اللي تثبت إن الفلوس اللي استخدمتها في الشقة كانت من مدخراتي الشخصية ومن ميراثي الخاص، وإن كريم ولا أهله لهم أي حق فيها أبدًا. وحتى فيه شهادة من البنك تثبت إن كريم ما حوللي ولا جنيه واحد طوال السنين اللي كنت بادفع فيها الأقساط.
في نفس الوقت، ظهرت حاجة تانية دمرت كل خطتهم تمامًا. كان واحد من العمال اللي بيشتغلوا في شركة حمايا، كان شايفهم وهم بيعملوا الأوراق المزورة، وكيف كانوا بيضغطوا على الموظفين في البنك عشان يغيروا بيانات، فقرر يتقدم بشهادته ويعطيني نسخة من كل المحادثات والوثائق اللي تثبت تزويرهم. اتضح لي إنهم كانوا بيخططوا لده من أكتر من سنة، كانوا بجمعوا كل الطرق عشان يثبتوا إن الشقة لهم، وإنني مجرد "واجهة" بس.
بدأت جلسات المحكمة، وكانت كل يوم بتظهر حقائق جديدة، وكل ما كانوا بيحاولوا يثبتوا كلام، كانت الأدلة بتدحض كلامهم بسرعة. كريم كان مطلوب في القضية، وبعد ما استمع القاضي لكل الشهود والأدلة، أصدر قرار بمنع سفره، وبتثبيت التهمة ضده بالاعتداء الجسدي، وبتثبيت ملكيتي الكاملة للشقة، وإن أي محاولة للاعتداء عليها أو السيطرة عليها تعتبر جريمة جديدة.
أهل كريم حاولوا يستخدموا نفوذهم، لكن كل مرة كانوا بيلاقوا إن القانون واقف في وشهم، لأن الأدلة كانت واضحة وضوح الشمس، وكل المحاولات للضغط على القضاة أو الموظفين كانت بتواجه رفض تام، وحتى بعض الأشخاص اللي كانوا بيدعموهم من قبل ابتعدوا عنهم خوفًا من أن يتورطوا معاهم في قضايا فساد.
خلال الفترة دي، كنت بحاول أستعيد توازني النفسي، وكنت بزور أهلي اللي كانوا بيدعموني بكل قلب، وندى كانت بتتصل بي كل فترة، تقول لي إنها تركت البيت الكبير وانتقلت لبيت مستقل، وإنها قررت تطلق من أخ كريم لأنه كان بيسكت على كل اللي بيحصل، وإنها مش عايزة تعيش في عيلة بتفكر بالشكل ده. كنت سعيدة جدًا بقرارها، لأنها كانت تستحق حياة أفضل، وكنت عارفة إن شجاعتها هتخليها تقدر تبدأ من جديد.
بعد ثلاثة أشهر، صدر الحكم النهائي في القضية: حكم على كريم بالسجن لمدة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ لمدة عام، وغرامة مالية، ودفع تعويض لي عن الأضرار النفسية والجسدية، كما أكد الحكم على ملكيتي الكاملة والغير منقوصة للشقة، ورفض كل طلبات أهله بخصوصها.
لما صدر الحكم، شعرت براحة كبيرة، وكأن حمل ثقيل كان على كتفي سقط فجأة. لم أكن سعيدة بوجع كريم أو عقابه، لكنني كنت سعيدة لأن الحق ظهر، ولأن القانون أثبت إن مفيش حد يقدر يأخذ حق حد، مهما كان نفوذه أو فلوسه.
بعد فترة، طلب كريم يقابلني، واتفقنا نقابل في مكان عام وهادئ. لما جاء، كان شكله متغير، عينيه حمراء، وملامحه تعبانة جدًا. تكلم بصوت خافت: "أنا آسف يا ياسمين. آسف على كل حاجة عملتها، وآسف على ضربك، وآسف إنني سكت على أهلي وسمحتهم يتعاملوا معاكِ بالشكل ده. كنت ضعيف، كنت خايف منهم، وكنت غبي لما صدقت كلامهم إنك هتتخلي عني لو ما عملتش كده. لما شفت كل الأدلة، وعرفت إنك طول الوقت كنت بتعبي وتتعب عشان مستقبلك، ومش عايزة تضر حد، عرفت كم كنت غلطان. مش عايزك تسامحيني دلوقتي، بس عايزك تعرف إنني تعلمت الدرس، وإنني هحاول أغير نفسي، وأرجع حقوق الناس اللي أخذتها أهلي منهم."
بصيت له، وقلت بهدوء: "القانون أخذ حقي يا كريم، والدرس اللي تعلمته أنت لازم يكون درس لغيرك كمان. السماح حاجة تانية، لكن الحقوق ما تتنازل عنها. أهلك كانوا بيعتقدوا إن الفلوس والنفوذ يقدروا يغيروا الحق، لكن الحق أقوى من كل ده. وأنت لازم تعرف إن الجواز مش يعني إنك تملك الطرف التاني، ولا يعني إنك تقدر تاخد تعبه وتعبه لنفسك. كل إنسان له كرامة، وكل إنسان له حق في تعبه."
بعد اللقاء ده، قررت أبدأ حياتي من جديد. سكنت في شقتي، وكنت بفرح بكل ركن فيها، لأن كل حاجة فيها بتذكرني بتعبي وصبري ونجاحي. رجعت لشغلي بحماس أكتر من قبل، وشاركت في مشاريع كبيرة كنت بحلم بيها من زمان. وكنت كل فترة أتأكد إنني ما أنسى الدرس اللي تعلمته: إن الصمت على الظلم مش حل، وإن الحق لازم ناخده بكل الطرق المشروعة، وإن مهما حاول الناس يخوفونا أو يضغطوا علينا، فالقوة الحقيقية تكون في ثقتنا بنفسنا وبحقنا.
وأهل كريم، بعد ما خسروا القضية، وتكلم الناس فيهم، ابتعد عنهم كتير من معارفهم، واضطروا يبيعوا بعض ممتلكاتهم عشان يدفعوا الغرامات والديون اللي وقعت عليهم. عرفوا أخيرًا إن الفلوس والنفوذ مش كل حاجة، وإن الكرامة والحق هما اللي بيبقوا طول العمر. وحتى لو حاولوا يبدؤوا من جديد، فالخزي اللي لقوه هيفضل يلاحقهم طول ما هم عايشين، لأنهم خسروا ثقة الناس قبل ما يخسروا الفلوس.
أما أنا، فكنت ماشية في طريقي، عارفة إن المستقبل قدامي، وإن كل حاجة بتحصل في حياتنا بتكون سبب لشيء أحسن. لم أكن أتمنى كل ما حصل، لكنني شكرت الله إنه كشف لي الحقيقة مبكرًا، وإن ساعدني أثبت حقي، وإن خلاني أقوى من أي وقت مضى. والليلة اللي ضربني فيها كريم بطبق قدام أهله، ما كانتش نهاية حياتي، كانت بداية لقوة جديدة، وبداية لفهم أعمق لمعنى العدالة والكرامة، وإن مهما كانت الخطط اللي بيتعملوا لنا، فالحق دائمًا بيظهر في النهاية، ويدمر كل ما بني على باطل.
وبعد مرور سنة، وأنا واقفة في شرفتي بشوف القاهرة قدامي، شعرت بالسكينة والفرح. كنت عرفت إن مكالمتي الصغيرة اللي اتصلت بيها للنجدة، لم تكن مجرد طلب مساعدة، بل كانت صوت كل واحدة بتحاول تاخد حقها، صوت كل واحدة بيتعرض للظلم وتخاف تتكلم، صوت الحق اللي مهما طال عليه الزمن، فهو بيظهر وينتصر في النهاية.